
بين ليلة وضحاها فقدت المؤسسات القضائية بالعاصمة السودانية الخرطوم سجلات محاكم ونيابات عدة، إضافة إلى ملفات ووثائق آلاف القضايا الجنائية والمدنية نتيجة تعرض المقار في أم درمان وبحري والخرطوم للقصف والتدمير والتخريب، وكذلك عمليات النهب والسلب.
وتتزايد المخاوف من ضياع الأدلة والحقوق العامة والخاصة والقضايا والإجراءات القانونية قيد النظر، وكذلك شل مسار آلاف القضايا المدنية والجنائية، فضلاً عن انهيار المنظومة العدلية والقضائية بالبلاد وتعزيز الإفلات من العقاب.
ضياع الوثائق
إلى ذلك أعلن الجهاز القضائي في أم درمان عن تلف الملفات والمحفوظات والوثائق في أربعة مجمعات ومحاكم قضائية رئيسة بالمدينة.
وقال في بيان إن “الحريق طاول ملفات محاكم مجمع أم درمان غرب السوق الشعبية ومجمع أمبدة، إضافة إلى مجمع دار السلام وجنايات أمبدة”. وأضاف أن “الحريق الذي أدى إلى هذا التلف الشامل تسببت به قوات “الدعم السريع”.
وأشار البيان إلى أن “لجان الحصر أنهت أعمال تقييم حجم الأضرار، وكذلك جرت الموافقة على تحريك ملفات الدعاوى السابقة للحرب أمام جميع المحاكم الأخرى باستثناء تلك التي تعرضت ملفاتها للتلف التام، إذ ستخضع لإجراءات خاصة يجري العمل على تنظيمها لضمان سير العدالة”.

فقدان الصلاحية
في السياق أوضح رئيس مجلس أمناء هيئة محامي دارفور المكلف الصادق علي حسن أن “تأكيد الجهاز القضائي التلف الشامل لسجلات أربع محاكم لن يقتصر على ملفات المؤسسات القضائية في أم درمان فحسب، بل هناك مقار أخرى ونيابات وأقسام شرطة تعرضت للتدمير والتخريب وعمليات السلب والنهب في مدن العاصمة”.
وأضاف “بهذا الإقرار تكون ملفات ووثائق القضايا الجنائية والمدنية والإدارية المقيدة أمام هذه المجمعات والمحاكم قد فقدت صلاحيتها، والأمر الخطر هو ضياع ملفات سجلات الأراضي”.
ونوه حسن بأن “حدوث التلف التام في سجلات الأراضي يعني فتح المنازعات في الأراضي وإمكان التزوير عبر تعديل المراكز القانونية من خلال إبرام العقود المزورة، بالتالي تدخل المحاكم في نزاعات الأراضي المسجلة وغير المسجلة المفتوحة وضياع الحقوق”.
ويتابع “الخطر في هذه الحرب العبثية أن نتائجها باتت تظهر من خلال إتلاف ملفات ووثائق المجمعات والمحاكم، مما يصعب مهمة معالجة مثل هذه المشكلات التي ستبرز قطعاً لأن مرجعية الفصل في الدعاوى والمنازعات المدنية قد فقدت صلاحيتها”.
استهداف منظم
من جانبه قال المحامي والمستشار القانوني جلال فاروق إن “هذه الحادثة تمثل ضربة كبيرة للجهاز القضائي وسجلاته ومؤسساته في السودان، مما يؤثر في آلاف القضايا والإجراءات القانونية قيد النظر، ويطرح تساؤلات حول مستقبل التقاضي وحفظ حقوق المتضررين”.
وأشار إلى أنه “منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 أحصت جهات حقوقية استهداف مؤسسات قضائية عدة ومقار للشرطة والنيابات في مدن العاصمة الثلاث بحري وأم درمان والخرطوم بالتخريب والحرق والنهب والسلب، إلى جانب إتلاف الملفات والوثائق والأوراق الرسمية”.
وأردف فاروق “جرى اقتحام محكمة جنايات مكافحة الفساد ومخالفات المال العام، وأتلفت ملفات القضايا قبل إضرام النيران داخلها، في استهداف واضح لمحكمة تنظر في قضايا فساد مالي لقيادات ورموز نظام الرئيس السابق عمر البشير وغيرهم، وهو استهداف منظم لطمس الأدلة والحقيقة والإفلات من العقاب”.

طمس الأدلة
في المنحى ذاته رأى القاضي المتقاعد محمد الرضى أن “تلف الملفات ووثائق المؤسسات القضائية في السودان متصل بفرار الآلاف من سجون ولاية الخرطوم، ومن ثم فإن نهب المستندات وملفات القضايا أو حرقها يطمس الأدلة بصورة نهائية لأن هذه الوثائق والملفات مرتبطة بصورة مباشرة بملف القبض على المحكومين والمنتظرين”.
ونوه الرضى بأن “ملفات القضايا الجنائية والمدنية في المؤسسات القضائية بالسودان تحفظ في المحاكم فحسب، لجهة أن دور الشرطة ينحصر في إحضار الملفات والمستندات من النيابة إلى المحكمة، وعند إيداعها أمام المحاكم لا تحتفظ الشرطة أو النيابة بالأرشيف من الملفات، ومن ثم فإن ضياع الوثائق والمستندات من مقار المحاكم بالنهب والسرقة أو التخريب والحرق أسباب تسهم في طمس الأدلة وشل مسار آلاف القضايا”.
وبيَّن القاضي المتقاعد أن “ضياع الملفات يعني عملياً إعادة النزاع القانوني في فترة ما بعد الحرب إلى الصفر، إذ يطالب القضاة من المتضررين إثبات الدعاوى من جديد، وهو أمر شبه مستحيل لآلاف ضاعت مستندات ووثائق إجراءاتهم القانونية بسبب عمليات النهب والسلب أو التدمير والتخريب. كذلك يواجه موقوفون ومتهمون خطر الاحتجاز الطويل في ظل غياب ملفات القضايا التي تحدد وضعهم القانوني”.
حلول وآليات
على الصعيد نفسه أوضح الناشط الحقوقي مروان عبدالعزيز أن “إعلان الجهاز القضائي في أم درمان تلف ملفات المحاكم يثير الأسئلة حول كيفية معالجة الدعاوى التي كانت في مرحلة التقاضي، إضافة إلى وضع النزاعات المدنية والجنائية المرتبطة بأدلة وملفات ووثائق مفقودة في ظل غياب آليات بديلة لتوثيقها”.
وأشار إلى أن “معالجة هذا الوضع تتطلب إصدار السلطات القضائية في السودان ضوابط أو اقتراح حلول وآليات تنظيمية لمعالجة الآثار القانونية التي ترتبت على هذا الوضع الاستثنائي، بخاصة في شأن إثبات الحقوق والطعون وإعادة السير في الملفات من جديد، لا سيما أن ملفات ومستندات محاكم العاصمة بمدنها الثلاث، الخرطوم وأم درمان وبحري، تعرضت للنهب والسلب والتخريب والحرق”.
ويتابع عبدالعزيز “ما حدث لملفات القضايا بسبب تداعيات الصراع المسلح ليس مجرد تلف أوراق، بل ضياع حقوق لمواطنين ظلوا أعواماً ينتظرون العدالة، لكن بكل بساطة قام مجرمون بحرق وثائق ومستندات كانت تمثل ذاكرة قانونية كاملة لقضايا أسرية وتجارية وجنائية”.




