جمال محجوب .. البحث عن كنز روائي سوداني
أين اختفى الروائي السوداني جمال محجوب الذي يكتب باللغة الإنجليزية وله عشرات الروايات والقصص القصيرة، دون أن يتم ترجمة رواية واحدة له..؟.
دعونا نبدأ الحكاية من الأول
في منتصف التسعينات دعاني الصديق الفنان التشكيلي الراحل حسان علي أحمد، وكنا نعيش في القاهرة، للقاء كاتب سوداني شاب يعيش في بريطانيا.
التقينا في أحد المقاهي وبدأنا التعارف، جمال محجوب، من أب سوداني من حلفا وأم بريطانية، توزعت حياته بين السودان وبريطانيا، عمل والده، أحمد محجوب، بالسفارة السودانية بلندن لسنوات، وعمل في الخرطوم في صحيفة سودان تايمز الإنجليزية في الثمانينات والتي أصدرها محجوب محمد صالح وبونا ملوال.
يكتب بالإنجليزية مثله مثل زوجة أخيه، الكاتبة المعروفة ليلى أبو العلا، نشر عدد من القصص والروايات، وفازت إحدى قصصه بجائزة القارديان للقصص القصيرة.
اتفقت معه على أن أجري معه حوارا لتقديمه للقارئ السوداني عبر صحيفة “الخرطوم”، وأخذت منه قصاصات كتبت عنه في الصحافة الانجليزية. وفعلا أعددت عنه ملفا متكاملا، تضمن الحوار، وترجمة لما كتب عنه في الصحف، وترجمة أدبية راقية لقصته التي فازت بجائزة القارديان واسمها “ملاك رسام الخرائط” أنجزها الدكتور خالد الكد. وبعد ذلك قمت بتعريفه بعدد من الكتاب والنقاد السودانيين الموجودين بالقاهرة.
تحدثنا عن ضرورة ترجمة روايتيه للعربية ، الأولى اسمها أجنحة الغبار Wings of Dust والثانية اسمها ملاحة صانع المطر Navigation of a Rainmaker
بعد عام أرسلت لي دار النشر التي يتعاقد معها روايته الثالثة In the Hour of Signs / أو ساعة الإشارات، والتي تتحدث عن أجواء الثورة المهدية، وطلبت مني، بترشيح منه، أن أكتب عرضا لها تأخذ منه بعض المقتطفات لتشرها في العرض التقديمي للكتاب.
تهيبت الأمر، وليتني ما فعلت، وكنت مسافرا لاسمرا، فحملت الكتاب وقدمته للصديق الفاضل كباشي الذي كان يعيش في اريتيريا، وهو ضليع في اللغة الإنجليزية. طلبت منه قراءته وكتابة عرض عنه سأقوم بارساله للكاتب ولدار النشر، وشجعته على البدء في ترجمتها، وتكفلت باقناع جمال محجوب بذلك ثم البحث عن دار نشر للترجمة العربية.
لم يفعل الفاضل شيئا، ثم أخبرني بضياع نسخة الكتاب عند بعض الأصدقاء.
ثم عاد جمال محجوب للسودان مرة في بداية الالفينات، وقدمته لعدد من المهتمين، وأذكر انه تعرف على الصديق عثمان شنقر، وقال لي أن الأستاذ محجوب محمد صالح، وهو صديق لوالده، يبحث عن مترجم للروايات. لم أسمع عنه بعد ذلك شيئا غير أنه كان يعيش بأسبانيا، ثم انتقل الآن لهولندا.
ينتابني شعور عميق بالحسرة والاسى أن قارئ اللغة العربية، والقارئ السوداني تحديدا، لم يتعرف على هذا الإنجاز الروائي لابن من أبنائه الكتاب الذين عاش جزء من حياته بين الخرطوم ولندن، ثم استقر بأوروبا دون أن يفارق السودان أو يفارقه، فكل رواياته عن السودان والسودانيين، واليكم الأمثلة :
Wings of Dust رواية تدور حول شاب سوداني يعود إلى قريته في شمال السودان بعد غياب طويل في أوروبا.
تستكشف الصدام بين الحداثة والتقاليد، والاغتراب، وسؤال الانتماء المزدوج بين ثقافتين.
In the Hour of Signs رواية تاريخية تدور أحداثها في السودان في القرن التاسع عشر خلال الثورة المهدية. تتناول التوتر بين الدين والسياسة، والاستعمار، وتحولات المجتمع في لحظة مفصلية من تاريخ السودان.
Navigation of a Rainmaker تتبع حياة رجل سوداني يعيش بين ثقافتين، وتتناول أسئلة الهوية والهجرة، ومحاولة التوفيق بين الجذور الأفريقية والواقع الأوروبي.
The Carrierرواية تاريخيةعلمية تدور بين الدنمارك في القرن السابع عشر والسودان. تناقش العلاقة بين العلم والإيمان، واختلاف طرق فهم العالم بين الحضارات.
Travelling with Djinns
رواية شبه سيرة ذاتية عن أب سوداني يعيش في أوروبا يسافر مع ابنه في رحلة عبر أوروبا. تتناول العلاقة بين الأب والابن، والهوية، والحنين للوطن.
Nubian Indigo تجري أحداثها في القرن التاسع عشر في منطقة النوبة شمال السودان. تصور مجتمعًا تقليديًا يواجه الغزو والتحولات السياسية والثقافية.
The Drift Latitudes رواية متعددة الأزمنة والأماكن (من الخرطوم إلى كوبنهاغن). تستكشف تأثير التاريخ الشخصي والسياسي على مصائر الأفراد.
The Fugitives تدور حول لاجئ سوداني يعيش في أوروبا، وتناقش معنى الحرية، والمنفى، والعلاقات الإنسانية في عالم معاصر مضطرب.
A Line in the River: Khartoum, City of Memory عمل أقرب إلى المذكرات/السرد الوثائقي حول الخرطوم والحياة السودانية.
هناك تقصير كبير من الوسط الثقافي السوداني في التعرف على جمال محجوب وكتاباته، ثم تعريف القارئ السوداني والعربي به عبر ترجمة أعماله والكتابة عنها. هذا التفاعل الذي يجب أن يتم بين الكاتب والنقاد والقراء مهم جدا في إثراء تجربة الكاتب وإغنائها وتطويرها، وفي إغناء الوسط الثقافي السوداني بهذه التجربة. لم يشارك جمال محجوب في معارض الكتاب العربية التي تقدم كثير من الكتاب الذين يكتبون باللغات الأجنبية، لانه غير معروف، ولأننا قصرنا في التعرف عليه وتقديمه للآخرين.
تجربة ليلى أبو العلا، وهي زوجة شقيقه، مختلفة، فقد عاشت فترات أطول في السودان وهي كثيرة التردد عليه، كما ان معظم أعمالها ترجمت للعربية ووجدت نقاشا ونقدا واسع الانتشار
هذه دعوة للكتاب والمهتمين بالأدب والثقافة في هولندا وأوروبا للبحث والتواصل مع جمال محجوب، محمد عبد الحميد وعماد براكة وطارق أبوعبيدة، عبد العزيز بركة ساكن وإشراقة مصطفى ورانيا مأمون…الخ.
وللمترجمين ذوي الخبرة، سيد أحمد بلال وعاطف حاج سعيد وعادل بابكر وبدر الدين الهاشمي، هذا الكنز الروائي في انتظاركم.