في مستريحة بشمال دارفور لم يكن سقوط المعقل مجرد حدث عسكري عابر، بل بدا كأن صفحة كاملة من تاريخ التحالفات القبلية والسياسية تُطوى بعنف. أنباء مغادرة موسى هلال إلى تشاد بعد هجوم واسع شنته قوات الدعم السريع أعادت إلى الواجهة اسماً ظل لسنوات جزءاً من معادلة القوة في الإقليم. الرجل الذي ارتبط اسمه بتحولات دارفور منذ بدايات النزاع يجد نفسه اليوم خارج مسرحه التقليدي، فيما تتكاثر الأسئلة حول مصير نفوذه ومستقبل مجلس الصحوة الذي يقوده.
الهجوم الذي قيل إنه نُفذ عبر أربعة محاور وبمشاركة مجموعات مسلحة من خارج السودان، حمل دلالات تتجاوز السيطرة على منطقة. فمستريحة لم تكن مجرد بلدة، بل رمزاً لثقل عشائري وسياسي. الحديث عن مقتل نجله حيدر بعد أسره، وسقوط قيادات محلية، ثم النزوح الواسع للسكان، يعكس أن المواجهة لم تكن محدودة الأثر. المشهد يشبه ما شهدته مدن أخرى في دارفور خلال الأشهر الماضية: قصف، اقتحام، حرق، ثم موجة نزوح تتدفق إلى قرى أقل خطراً.
غير أن دارفور ليست وحدها في قلب العاصفة. في النيل الأزرق، تتكرر صورة الحرب بتفاصيل مختلفة. هجوم بطائرة مسيّرة على الكرمك، ونزوح نحو الدمازين وباو، وحوادث نهب على الطرق المفتوحة أمام الفارين. الأرقام تتصاعد، ومعها الضغط على معسكرات تفتقر إلى الماء والغذاء. الجيش يدفع بتعزيزات ومظلات إلى خطوط القتال، وكأن الجغرافيا تتسع للحرب بدلاً من أن تضيق بها.
وسط هذا المشهد الميداني المتشظي، يتحرك المجتمع الدولي بخطوات متباينة الإيقاع. إدراج أربعة من قادة الدعم السريع على قائمة العقوبات في مجلس الأمن يمثل رسالة سياسية واضحة، لكنه لا يغيّر في توازن النار على الأرض بشكل فوري.
في المقابل، تعيين أنطونيو غوتيريش للدبلوماسي الفنلندي بيكا هافيستو مبعوثاً شخصياً إلى السودان يشي بمحاولة إعادة ترتيب المسار الأممي بعد تعثرات سابقة.
الرباعية الدولية تطرح مبادئ لاتفاق شامل، تبدأ بهدنة إنسانية وتمتد إلى انتقال مدني وإعادة إعمار. واشنطن تضغط، وتلوّح بالمحاسبة، وتنسق مع عواصم إقليمية. لكن الخرطوم الرسمية ترد بالتشديد على السيادة ورفض أي تصور لا يراعي ما تعتبره مصلحة وطنية عليا. في الوقت ذاته، يعلن عبد الفتاح البرهان استمرار العمليات حتى الحسم أو الاستسلام، ويطرح فكرة بناء “جيش ذكي” يعتمد على التقنية والطائرات المسيّرة، في إقرار صريح بأن طبيعة القتال تغيّرت.
هنا يتقاطع المحلي بالإقليمي والدولي في معادلة معقدة. فخروج شخصية مثل موسى هلال من مستريحة، إذا تأكد، يعكس إعادة توزيع للقوى داخل دارفور نفسها. وتعزيزات الجيش في النيل الأزرق تعني أن الحرب لم تعد محصورة في مسار واحد. أما العقوبات والمبادرات الدبلوماسية فتؤكد أن الصراع بات ملفاً مفتوحاً على طاولات متعددة.
السودان يقف أمام مفترق طرق لا تحسمه البيانات وحدها ولا المعارك منفردة. كل تحرك ميداني يعيد تشكيل المشهد السياسي، وكل مبادرة خارجية تصطدم بحسابات داخلية معقدة. وفي ظل أكثر من ألف يوم من القتال، تبدو البلاد كأنها تعيد تعريف نفسها تحت ضغط السلاح والنزوح والعقوبات، بينما ينتظر المدنيون ما إذا كان الأفق سيحمل هدنة حقيقية أم جولة جديدة من إعادة رسم الخرائط بالقوة.