مقالات

جلالتكم لسـتُم في حاجةٍ إلى فَلاسِـفَة

محمد عبد الماجد

عندما قرّر كاباييرو وزير ملك إسبانيا كارلوس الرابع، إرسال جاسبر ملتشور (1744 – 1811) أفضل سياسي وإصلاحي إسباني في عصره إلى زنازين قلعة (بيبير)، برّر ذلك وهو يخاطب كارلوس الرابع ملك إسبانيا بقوله (جلالتكم لستم في حاجة إلى فلاسفة، بل إلى مواطنين مُخلصين ومُطيعين).
ومما لا شك أنّ كارلوس الرابع سَعدَ وابتهج بكلام وزيره، فكل الملوك وكل الحكومات، خاصةً الجائرة منها هم دائماً يدّعون أنهم من أجل الوطن، في حاجة إلى مواطنين مُخلصين ومطيعين.. والإخلاص عند الحكومات يعني الطاعة العمياء، والإصلاح والتنوير عندهم شيءٌ من تفويض النظام، والخيانة والعمالة وما شابه ذلك من المصطلحات التي تجود بها الحكومات على كل من يخالفها الرأي، ويردده إعلام السلطة.
جاسبر ملتشور (Gaspar Melchor de Jovellanos) هو مفكر سياسي، وإصلاحي إسباني بارز في عصر التنوير، عُرف كأحد أفضل رجال الدولة في عصره. واجه السجن بسبب أفكاره التنويرية)، حيث وُصف بأنه من نوعية “الفلاسفة” التي لا يحتاجها الملوك بقدر حاجتهم إلى “مواطنين مخلصين”.
وتقول سيرته (كان إصلاحياً رائداً ومفكراً تنويرياً إسبانياً، يسعى لتحديث الدولة).
وتقول سيرته النضالية (تم إرساله إلى زنازين قلعة بيبير نتيجة لمواقفه وأفكاره التي لم تكن تتوافق دائماً مع توجهات الملكية المطلقة).
وخلاصة الحكاية أنه (يعتبر رمزاً للإصلاح العقلاني والفكري في إسبانيا خلال القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر).
أنا لست مع هذا الاتجاه بالتأكيد، وإن كان يسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، ودائماً الحكومات في حاجة للنقد من أجل التقويم والإصلاح ـ الصوت الواحد لا يخلق غير الظلمة والجبابرة والمثل المصري بقول “يا فرعون مين فرعنك؟ قال: ما لقيتش حد يردني”، وفي النهاية أنت بتطلع الغلطان وليس فرعون، أعتقد هذا نوعٌ من الجور على المواطن، الذي إذا سكت مشكلة، وإذا تكلم مشكلة، وفي الحالتين هو الغلطان.
في كرة القدم لسنا في حاجة إلى كل هذا الكم من الفلاسفة والمحللين الفنيين ـ عادةً احترم المحلل الفني الذي يجد العذر للمدرب عند الهزيمة ويعمل من أجل التبرير له، لا أفضِّل المحلل الذي ينتظر الهزيمة من أجل أن يهاجم المدرب واللاعبين.
عندما تتحدّث بعد الهزيمة، من السهل عليك أن تُحمِّل المدرب المسؤولية، تلومه على إشراك هذا اللاعب وتعاتبه على إبعاد لاعب آخر، فأنت تتحدث بعد المباراة وتحل امتحاناً مكشوفاً.
إذا نزلنا على الواقع الهلالي، سوف تتضح لكم الصورة.
كثيرون كانوا ينتقدون مدرب الهلال السابق فلوران في أنه يشرك جميع اللاعبين، ويلومونه على أنه لا يلعب بتشكيلة ثابتة، ومباريات كثيرة فقدها، لأنه أبعد عناصر أساسية وجازف بإشراك عناصر غير أساسية.
نفس هؤلاء يلومون ريجيكامب الآن ويعاتبونه على أنه يعتمد على أسماء محددة، ويلعب بتشكيلة ثابتة، ولا يمنح الفرصة لبعض الأسماء البديلة، وهذا نفسه اتهامٌ باطلٌ، لأن كل الأسماء الموجودة مع الهلال في كيجالي تشارك، اللاعب الوحيد الذي أبعد في الفترة الأخيرة هو فوفانا وقد يكون إبعاده بسبب إصابة أو ظرف أسري أو بدني، لأن فوفانا نفسه شارك مع ريجيكامب في مباريات سابقة.
وحتى ترى العجب، فإنّ ريجيكامب انتقد لأنه يشرك صلاح عادل وبوغبا وروفا بصورة دائمة، وانتقد بعد ذلك لأنه يشرك كول وأحمد سالم وكابوري وماديكي، الذين كانوا يطالبون بمشاركتهم، كل هذه الأسماء منحها ريجيكامب الفرصة كاملة.
هاجموه لأنه أبعد بترويس ولم يشركه وعندما أصبح بترويس لاعباً أساسياً في المباريات الأخيرة هاجموه على مشاركته.
مع ريجيكامب، لعب فريد ولعب محمد المصطفى ولعب أبو عشرين، وحتى محمد المدني وجد الفرصة وشارك في عدد كبير من المباريات.
صحيحٌ، بعض اللاعبين شاركوا لأن ريجيكامب كان مُجبراً عليهم، لكن حتى في ذلك هنالك من يهاجمه.
وحتى لا ننسى، فإنّ هنالك من هاجم ريجيكامب على مشاركة أبوعشرين في مباريات الهلال، وعندما أُبعد أبوعشرين وشارك محمد المدني هاجموه على ذلك واعتبروا مشاركة المدني مجازفة من ريجيكامب.
الذين يريدون أن ينتقدوا المدرب فإنهم لن يعجزوا من أن يجدوا الأسباب التي يهاجموا من أجلها المدرب.. أي مدرب يخسر، وبعد أي هزيمة يمكن أن تهاجم المدرب ويجد ذلك هوىً عند الجماهير، لأن الجماهير بعد أي خسارة يبحثون عن من يفش غضبهم في الهجوم على المدرب وعلى اللاعبين.
كل عناصر الدفاع شاركت مع ريجيكامب، كرشوم وإرنق وديوف والطيب وسيمبو، لا تستطيع أن تقول إن أحد هذه الأسماء بعيد عن المشاركة، أو أن ريجيكامب ظلمه.
في الأطراف، شارك لوزولو وإيبولا وجوباك وقمر ديني، وبترويس ظل يتنقل بين أكثر من مركز في الدفاع والوسط، وكذلك قمر ديني.
في الوسط يشارك صلاح عادل وروفا وبوغبا وماديكي وكابوري وكول وأحمد سالم الذي أشركه في كثير من المباريات في الوسط حتى يتيح له الفرصة في المشاركة قي ظل زحمة خط الهجوم، الروماني جرّب قمر ديني في الوسط.
لقد فعل ريجيكامب كل شيء.. ومنح الفرصة للجميع.
مشاركات لاعبي الهجوم تكاد تكون متساوية مع أفضلية لجان كلود وكوليبالي، بقية العناصر كلها تشارك بنسب متقاربة، الغربال وصنداي وفلومو والدليل على ذلك أن فلومو هداف للدوري الراوندي، لا أعتقد أن فلومو أصبح هدافاً من منازلهم.
حتى أكيري الذي كان هدافاً للهلال في الدوري السوداني، لم يحقق ذلك من فراغٍ، الأكيد أن ريجيكامب أعدّه بصورة جيدة ليكون هدافاً للهلال، دون أن ننقص من قدر وجهد خالد بخيت الذي يحسن التعامل مع المباريات ويديرها بصورة ممتازة.
ولكن هل سلم خالد بخيت من النقد؟ هو أيضاً تعرض للهجوم رغم أنه حقق إنجازاً صعباً وفاز وتصدر مجموعته من غير شكاوى أو لجوء للمكاتب.
الخلاصة إنك إذا أردت أن تهاجم أي مدرب فإنك سوف تجد الفرصة والمبررات التي تهاجمه بسببها، لأننا كلنا نكتب بعد المباراة وبعد أن يكشف لنا الامتحان ونشوف الجمهور عاوز شنو؟
ريجيكامب يلعب في ظروف صعبة هذه الأيام، لقد فقد بعض عناصره الأساسية بسبب الإصابات والمرض، ومن لم يفقدهم الأكيد أنه يخشى من أن يفقدهم قبل المواجهات الأفريقية التي تنتظر الهلال، ويبحث عن عدم تعرضهم للإرهاب، وحتى الذين عادوا من المرض والإصابة يريد أن يجهزهم مرة أخرى بعد أن فقدوا شيئاً من مستواهم الفني بسبب ابتعادهم عن المشاركة.
مع هذه الظروف يلعب الهلال بتوليفة من الصائمين، لكن لا أعتقد أن الهلال سيتضرّر من الصيام، لأن الصيام خير، حتى وإن خسرنا بسببه، بدنياً سوف نجني فوائده لاحقاً، قد يحدث تراجع بدني الآن، ولكن بعد ذلك سوف يمنح الصيام عناصر الهلال قوةً وصحةً، وستشعر بالفرق عندما تلعب في المساء أو تلعب بعد شهر رمضان، نحن في أيام مباركة وأيام معدودة، وكل ما فيها فهو خيرٌ، حتى وإن كان الهلال يلعب أمام أندية معظم لاعبيها (فاطرين)، هذا أمرٌ يُحسب للهلال وليس عليه، ربما لا يدرك ريجيكامب ذلك، ولكنه معذورٌ لأنه يتعامل مع وضع راهن وجاثم أمامه وهو بالتأكيد لا يعرف قيمة الصيام وفوائده العظيمة وإن تضرر من ذلك بدنياً.
وفي كل الأحوال، نحن في فترة تستوجب منّا أن ندعم المدرب واللاعبين ـ هذا التوقيت هو توقيتٌ للدعم، وليس للنقد أو إثبات صحة وجهة نظرنا.
بعد أقل من ثلاثة أشهر سوف ينتهي الموسم وسيُسدل الستار على بطولة دوري أبطال أفريقيا والدوري الرواندي والدوري السوداني، هل سنعجز أن نصبر في هذه الفترة؟ هل سنفشل في أن نقدم الدعم للمدرب واللاعبين، ليس من أجلهم هم، ولكن من أجل الهلال.
الهلال أكثر ما يحتاج إليه في هذا الوقت هو الدعم ـ أتركوا التنظير والحديث السلبي عن المدرب واللاعبين ولا تصدروا انطباعاتكم الشخصية للجمهور، وهي انطباعاتٌ نتاج انفعال لحظي أو نتيجة مباراة، هي ليست انطباعاتٌ مدروسة أو منطقية، نحن نقدنا الرياضي قائمٌ على نتيجة المباراة، وهذا أسهل أنواع النقد وأكثرها سطحيةً.
ريجيكامب خسر بعض المباريات، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ، وهو ناجحٌ في الهلال، وناجحٌ جداً، والدليل على ذلك إن فريقه يتصدر كل البطولات التي يشارك فيها، لا يمكن أن نتجاوز تلك الأرقام وهذه النجاحات ونحاسبه على نتيجة أو خسارة مباراة.
قدِّموا كل الدعم للمدرب وساندوا كل من يمثل الهلال من اللاعبين، الهلال في هذا الوقت يحتاج لكل اللاعبين، لا تُشكِّلوا المزيد من الضغوط على اللاعبين والجهاز الفني، وكثير من الأخطاء التي يقع فيها اللاعبون هي نتاج نقدنا والضغوط التي نعرضها لهم.
الجمهور والإعلام إذا أصبح خصماً لفريقه فإن تحقيق الانتصارات في تلك الظروف سيصبح أمراً في غاية الصعوبة إن لم يكن ذلك مستحيلاً.
آخر (11) مباراة خاضها الهلال في الدوري الرواندي كسب منها (9) وخسر مباراة وتعادل في واحدة وهي نتائج ممتازة ومشرفة وقد قضت بأن يتصدر الهلال الدوري الرواندي مع أنّه لعب مباريات أقل.
في بورتسودان، بقيادة المعلم خالد بخيت، تصدر الهلال مجموعته وابتعد عن أقرب منافسيه بنقاط مريحة.
في دوري أبطال أفريقيا، تصدر الهلال مجموعته في وجود صن داونز، بعد أن أبعد المولودية وأقصاها من مرحلة المجموعات.
ماذا تريدون أكثر من ذلك؟ ـ ليس هنالك أفضل مما تحقق، هذا أقصى ما يمكن أن يُحقِّقه أي فريق.
ما عاوز اتكلم عن الحرب وظروف البلاد، لأننا تجاوزنا ذلك.
مرحلة التتويج تستوجب منّا الدعم والمساندة، إذا أردنا أن نُتوّج بكل هذه البطولات علينا أن نوفر ونقدم الدعم الكامل للفريق وللاعبيه وجهازه الفني.
هذه المرحلة التي يلعب فيها الهلال هي للدعم الكامل، هي ليست مرحلة تنظير ولا فلاسفة.
أبيات الإمام الشافعي الشهيرة حول صدق المحبة تقول: “تَعصِي الإِله وَأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ … هَذَا مُحَالٌ فِي القِيَاسِ بَدِيعُ … لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ … إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ”.
نحن في حاجة أن نثبت حبنا للهلال بالطاعة والمساندة والدعم، وليس بالتنظير والفلسفة الزائدة.
اختار التوقيت المناسب لتنتقد ـ النقد البنّاء من مقوماته أن تحسن اختيار الوقت المناسب الذي تنتقد فيه.
في هذا الوقت نحتاج أن نردد كلام كاباييرو مع اختلاف النوايا (جلالتكم لستم في حاجة إلى فلاسفة، بل إلى مواطنين مُخلصين ومُطيعين).
ما دون ذلك فكله نقد هدام لا يستفيد منه الفريق، إن كنت فعلاً تقصد استفادة فريقك.
طبعاً في ناس عندهم حسابات أخرى وقد تكون لديهم أجندة، وهؤلاء لا خوف منهم، لأن الجمهور قادر أن يميز بين الطيب والخبيث والصالح والطالح.
نحن نتحدّث عن المحبين، الذين يبحثون عن مصلحة الهلال وينفعلون بعد أي خسارة أو تعثر ويعتقدون أنّ في انفعالهم هذا مصلحة الهلال، وهم لا يشعرون أنهم يضرونه بانفعالهم ذلك.

متاريس
كل لاعبي الهلال وقعوا في العديد من الأخطاء، لكن نحن نمسك لاعباً واحداً ونبرز أخطاءه ونتحدث عنها ونعظمها.
دفاع ريجيكامب عن لاعبيه وخوفه عليهم، أمر يُحترم منه، وهو أكيد يجد التقدير من اللاعبين وسوف ينعكس منهم ذلك في المباريات القادمة بصورة إيجابية.
مع أن الهزيمة مُرة، لكن أحياناً نحن في حاجة لها ـ أصبحنا نتحدث عن التعادل على أنه هزيمة، وهذا تقدم كبير حدث في الهلال.
بقينا نزعل ونغضب عندما نتعادل مع أحد أبطال الدوري الرواندي في دوريه.
رمضان خير وبركة ـ الهلال سوف يجني منافعه قريباً.. أتحدث عن منافعه حتى على المستوى الرياضي والروحي والبدني ـ منافعه العظيمة الأخرى ليس في موضع نقاش.
لذلك نقول لريجيكامب لا تخشى على الهلال، ولا تتخوّف من الصيام.
…..
ترس أخير: أنتم على موعد مع الفرح بإذن الله وتوفيقه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع