تقارير

تداعيات الحرب .. الخرطوم تخشي كارثة صحية بعد تدمير المختبر البيئي

تقرير - مشاوير

طاولت آثار الحرب كافة نواحي حياة السودانيين حتى بلغت حد المساس بالمؤسسات التي تحمي صحة الإنسان والبيئة، إذ تعرض المختبر البيئي الوحيد في العاصمة الخرطوم للتدمير والتخريب، فضلاً عن عمليات سلب ونهب للمعدات والأجهزة وأدوات التشغيل المختلفة، ولم يتبق من المقر إلا الأسقف المنهارة والأدوات المحترقة والوثائق المتناثرة.

وجراء هذه الأوضاع، خرج المختبر الوحيد في ولاية الخرطوم عن الخدمة وتوقفت خدماته الحيوية في فحص التربة والمياه وقياس تلوث الهواء، وكذلك الإشعاع ومعامل الكيمياء الدقيقة، مما يثير المخاوف من تفاقم الأخطار البيئية والصحية في ظل غياب الرقابة العلمية.

تدمير وتخريب

وقالت مديرة المختبر البيئي بالمجلس الأعلى للبيئة والترقية في السودان، أم الخير مختار عبد الله، إن “المختبر البيئي الوحيد في السودان، والذي يقدم خدمات فحص التربة والمياه وقياس تلوث الهواء والإشعاع، خرج تماماً عن الخدمة جراء استهدافه من قبل قوات ‘الدعم السريع’، وتبلغ كلفة إعادة إعماره نحو 500 ألف دولار”.

وأضافت أن “مقر المختبر في الخرطوم تعرض لعمليات تدمير وحرق واسعة، وكذلك تخريب الأجهزة والأدوات الزجاجية والأثاث، فضلاً عن نهب وسلب المتبقي منها”.

وشددت عبد الله على أهمية “تسريع إعادة المختبر إلى الخدمة، بخاصة وأنه يمثل قيمة معرفية وفنية كبيرة تسهم في تخطي الكثير من العقبات والمشكلات البيئية”، داعيةً “المنظمات المحلية والدولية والجهات المتخصصة إلى المساعدة في إعادة إعماره من جديد”.

مرجع فني

في السياق، أشار الباحث في الشؤون البيئية مجتبى الطاهر إلى أن “المختبر البيئي يمثل مرجعاً فنياً في السودان قبل الحرب لولايات البلاد كافة، إضافة إلى شركات التعدين، إذ يعمل على قياس تلوث الهواء والإشعاع وفحص التربة والمياه، علاوةً على التخصصات الفنية الأخرى”.

ولفت إلى أن “المختبر يُعد أول معمل متخصص في المجال البيئي بالسودان، ويضم أقساماً عدة، منها معمل الكيمياء الدقيقة وتلوث الهواء والإشعاع، وقد شرعت بعض الولايات بتنفيذ التجربة لإنشاء مختبرات شبيهة قبل اندلاع الصراع المسلح”.

ونوّه الطاهر بأن “المختبر البيئي قدم خدمات هامة تمثلت في تحليل مياه المحطات والصرف الصحي بعد المعالجة وقياس مياه النيل الأبيض، إلى جانب المياه التي تنتجها بعض المصانع كمياه صحية”.

المختبر البيئي

أخطار وأزمات

في المنحى ذاته، أشارت المتخصصة في الكيمياء ودائرة المخلفات البيئية، جواهر الفاضل، إلى أن “خروج المختبر البيئي عن الخدمة في الوقت الحالي يمثل كارثة كبيرة خصوصاً بعد عودة المواطنين إلى ديارهم، إضافة إلى بداية عمليات إعادة الإعمار نظراً إلى الحاجة الماسة لتنفيذ مشروع المسح البيئي في مدن العاصمة الثلاث، بحري وأم درمان والخرطوم، لمعرفة الوضع البيئي ووضع حلول ومعالجات فعالة للآثار الناجمة عنه، ومن ثم فإن توقف المختبر الوحيد في السودان عن العمل يهدد حياة الملايين، لا سيما في ظل عدم وجود معامل لإجراء قياسات دقيقة لتحديد تركيز ونوعية التلوث الكيماوي في الهواء والتربة ومصادر المياه والأغذية، وكذلك المناطق السكنية القريبة من مواقع المعارك الحربية”.

ولفتت إلى أن “تحلل الجثث بكميات كبيرة في ولاية الخرطوم، فضلاً عن آثار الحرائق الكبيرة على التربة والمياه تعد من الأخطار التي تهدد الصحة العامة للسكان، وتحتاج إلى وجود مختبر بيئي لعمل قياسات ومعرفة نوع وتركيز التلوث على عناصر البيئة (الهواء والماء والتربة)”.

وشددت الفاضل على “ضرورة الاستعانة بمختبر مؤهل من خارج السودان، والتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة لتوفير مختبرات متنقلة على عربات مزودة بالطاقة الشمسية، علاوةً على أهمية وجود الكوادر الفنية والإدارية المؤهلة لضمان جمع بيانات دقيقة تساعد في وضع حلول ومعالجات فعالة للآثار البيئية في العاصمة الخرطوم”.

مسح شامل

في السياق، أوضح المتخصص في مجال البيئة والتلوث عادل جبارة أن “مدن العاصمة الثلاث، بحري وأم درمان والخرطوم، تحتاج إلى مسح بيئي شامل وعمل قياسات معملية دقيقة بخاصة بعد استخدام طرفي الحرب أسلحة محرمة دولياً داخل الأحياء، وكذلك تلوث نهر النيل والقنوات المائية نتيجة إلقاء الجثث المتحللة في الأنهار ومجاري المياه”.

ونوّه جبارة بأن “توقف المختبر البيئي الوحيد في البلاد يسهم في تفاقم الكارثية البيئية في ولاية الخرطوم، بالتالي يجب أن تسارع الحكومة السودانية في جلب مختبرات من الخارج وعمل شراكة مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة لتنفيذ عمليات مسح شاملة لمعرفة الوضع البيئي ووضع حلول ومعالجات فعالة”.

وشدد المتخصص في مجال البيئة على ضرورة “تقييم الوضع الراهن في كل القطاعات السكنية والصناعية والزراعية، ووضع خطط قصيرة وطويلة المدى لمعالجة الآثار البيئية والاستفادة من مستحقات السودان الدولية في هذا الجانب، لأن كل الدمار الذي حدث في العاصمة له علاقة بالبيئة”.

وتابع “بعد عودة الحكومة المركزية إلى الخرطوم بدأت تدفقات كبيرة مع عودة المواطنين إلى منازلهم، مما يستدعي ترتيبات عاجلة لا تحتمل التأخير أو التأجيل تتعلق بعمليات إزالة النفايات والمسح البيئي”.

مهددات صحية

على نحو متصل، يرى استشاري طب السموم، حسام بابكر، أن “أخطر ما في الحرائق التي تعرضت لها مصفاة النفط الرئيسة في السودان بمنطقة الجيلي بالخرطوم نتيجة القصف وانبعاث الغازات الضارة تأثيراتها المستقبلية في حياة الناس، واحتمالات ظهور طفرات جينية لدى الإنسان أو الحيوان، مما يهدد بتشوهات المواليد أو الإصابة بالعقم لدى البشر والحيوانات، وتسبب جزيئات المركبات الكيماوية أضراراً على المدى البعيد بصحة الكبد والكلى والجهاز العصبي”.

وأضاف أن “التحدي الأول هو إجراء عمليات المسح البيئي في منطقة الجيلي التي تكتظ بالسكان لتحديد الآثار البيئية على المواطنين والمشاريع الزراعية ومصادر المياه لتفادي الكارثة البيئية والوبائية”.

وأوضح بابكر أنه “عادةً ما يكون الأطفال والفئات الأخرى مثل النساء الحوامل والمدخنين أكثر عرضة لأخطار التلوث البيئي والمواد السامة وتأثراً بنتائجها، ويمكن أن يتحد ثاني أكسيد الكبريت مع بخار الماء وينزل على الغابات في شكل أمطار حمضية يمكن تراكمها داخل السلسلة الغذائية، وينتج من ذلك أمراض خطرة تؤدي إلى الوفاة”.

المختبر البيئي

أضرار بالغة

على صعيد متصل، أشار الباحث في الشؤون البيئية، يوسف بشير، إلى أن “خطر التلوث يتعاظم على نحو خاص في المناطق المكتظة بالسكان والتي تشهد أنشطة زراعية واسعة في ولاية الخرطوم، فضلاً عن اعتماد المواطنين في غذائهم على الخضراوات والفواكه، علاوةً على أن تأثيرات التلوث ستنعكس أيضاً في الاقتصاد، لا سيما أن مناطق توتي والجيلي وشمال أم درمان ترفد أسواق العاصمة بالخضراوات على أنواعها والفواكه مثل الموز والبرتقال والغوافة والمانغو”.

ونوه بأن “تفاعل الغازات السامة مثل ثاني أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت، والنيتروجين مع بخار الماء، كلها أسباب قد تؤدي إلى أضرار بالغة بالبيئة، كما النفايات والغازات تهدد صحة الإنسان أو الكائنات الحية من خلال إطلاق سمومها الكيماوية والإشعاعية في الهواء والماء والتربة”.

وأوضح بشير أن “السودان من الدول التي لا تمتلك الآليات اللازمة أو المخصصة لمعالجة مثل تلك النفايات والمخلفات، كما يفتقر إلى الموارد البشرية المدربة القادرة على التعامل مع جوانب المشكلة التي عادةً ما تكون معقدة تقنياً، بالتالي يجب أن تكون الأولوية للمسح البيئي والفحص الفني بواسطة فريق من خارج البلاد لتقييم حجم الأضرار والأخطار بخاصة بعد توقف المختبر البيئي الوحيد في السودان وخروجه عن الخدمة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع