تقارير

بعد 3 سنوات من صمت المساجد.. التراويح تعيد روح رمضان إلى الخرطوم ومدن السودان

تقرير - النور أحمد النور

بعد نحو 3 سنوات عاد صوت صلاة التراويح يصدح في أبرز مساجد الخرطوم التي غاب عنها المصلون خلال فترة الحرب.

وفي أولى ليالي الشهر المبارك، شهد مسجد السيدة سنهوري في شرقي الخرطوم توافد جموع مئات المصلين في مشهد خيمت عليه أجواء الخشوع والسكينة، إيذانا بعودة روح رمضان إلى المدينة التي صمتت فيها المساجد نحو 3 سنوات غاب فيها الأمن والطمأنينة.

وعكست الحشود التي اكتظ بها المسجد وباحته الخارجية روح التفاؤل والتماسك المجتمعي، مع بداية الشهر الفضيل.

سيدة سنهوري

أطلق على المسجد اسم “سيدة سنهوري” زوجة رجل الأعمال ذائع الصيت مأمون البرير، التي كانت أمنيتها أن يُشيد لها مسجد يكون قبلة للمصلين، وهو ما تحول إلى واقع عام 2001.

تطل بوابة المسجد الرئيسة من جهته الغربية على شارع الستين، ضمن قطعة أرض شديدة التميز عند بدايات حي المنشية الراقي شرقي العاصمة، وعند تقاطع عدة طرق رئيسة تفضي إلى مطار الخرطوم الدولي وتتفرع حتى شارع النيل السياحي.

ويتميز المسجد بمئذنتين تضمان مبنى تصل مساحته إلى 600 متر، مكونا من طابقين للمصلين، أحدهما مخصص للنساء بمساحة 280 مترا، علاوة على سطح مهيأ لتخفيف الاكتظاظ خلال موسم رمضان.

ويتوافد آلاف المصلين يوميا إلى المسجد، طيلة أيام الشهر المبارك، لأداء صلاتي القيام والتهجد خلف المقرئ الشيخ الزين محمد أحمد.

ويعد شيخ الزين (44 عاما) أحد أهم أسباب ذيوع شهرة السيدة سنهوري، حيث تجتذب قراءاته الآسرة أعدادا كبيرة من المصلين، لا سيما في الموسم الرمضاني.

ويتميز الزين -الذي عاد للخرطوم بعد فترة لجوء في خارج البلاد- كبقية قراء إقليم كردفان، بالمقامات التي تحاكي حداء الرعاة، مما يدس في حناجرهم شيئا من الحلاوة الممزوجة بالحزن. هذا الصوت الشجي، أهّل الزين كذلك للمشاركة كقارئ ممثل للسودان في مسابقات دولية في دول مثل ماليزيا ودبي والسعودية وليبيا، محققا مراكز متقدمة.

مسجد النور

عودة النور

وفي شمال الخرطوم عادت الحياة إلى مسجد النور وهو واحد من أبرز معالم العاصمة السودانية، ويعد تحفة معمارية فريدة. يقع المسجد في حي كافوري بمدينة الخرطوم بحري، وبدأ تشييده في عام 2008 واكتمل في عام 2010، ليضاف إلى قائمة المعالم الإسلامية البارزة في البلاد.

يستوعب المسجد حوالي أربعة آلاف مصلٍ، مما يجعله ضمن أكبر المساجد في العاصمة الخرطوم. بالإضافة إلى ذلك، يضم المجمع مركزا تجاريا ضخما ومرافق أخرى خدمية وصحية، وهو ما يجعله وجهة متكاملة للزوار.

عاد المصلون لأداء صلاة التراويح في المسجد، وإن كان الحضور محدودا، إذ لم تُستأنف الخدمات بعد في غالبية مناطق ضاحية كافوري، ولا يزال معظم سكانها نازحين داخليا أو لاجئين في الخارج.

أما خطيب المسجد الدكتور عصام أحمد البشير (70عاما)، وهو عالم وداعية وأكاديمي وسياسي سوداني بارز، فيعتبر من أبرز قادة الفكر الإسلامي المعتدل، وشغل منصب نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ووزير الأوقاف السوداني سابقا، ورأس مجمع الفقه الإسلامي في السودان، ويشتهر بجهوده في تجديد الفكر الإسلامي وتعزيز الوسطية.

وأدى سودانيون صلاة التراويح في عدد من المساجد بولاية الخرطوم في أجواء إيمانية غمرتها مشاعر الفرح والامتنان، وذلك لأول مرة منذ انتشار قوات الدعم السريع في غالب الولاية حتى تم تحريرها في مارس/آذار الماضي.

كما شهدت مساجد أخرى في محليات الولاية إقبالا واسعا، في صورة عكست شوق المواطنين لعودة الحياة إلى طبيعتها، وحرصهم على إحياء شعائر شهر رمضان في أجواء آمنة، بما يعزز التماسك المجتمعي ويرسخ قيم التسامح والتعايش.

 صوت الفاشر

وفي غرب السودان، عادت صلاة الجمعة والجماعة لمسجد الفاشر الكبير في ولاية شمال دارفور، وهو من المساجد التاريخية والرئيسية التي تشهد إقبالا من المصلين لأداء صلاة التراويح، رغم التحديات الأمنية والإنسانية التي تواجه المدينة في العامين الأخيرين بسبب الحرب، ويمثل المسجد مركزا دينيا واجتماعيا هاما لإقامة الشعائر الرمضانية.

تم تأهيل مسجد الفاشر العتيق بعد ست سنوات من إغلاقه لإعادة تأهيله وصيانته في منتصف العام 2017، كما عطلت الحرب أداء صلاة الجماعة حيث كانت قوات الدعم السريع  تقصف المدينة بكثافة ما أدى الى استهداف مساجد وسقوط قتلى وجرحى من المصلين.

عاد صوت الأذان في مسجد الفاشر العتيق الذي تأسس في يناير/كانون الثاني 1933، وأصبح رمزا للمدينة العريقة التي كان آخر حكامها السلطان علي دينار، كاسي الكعبة والمؤيد للسلطان العثماني في الحرب العالمية الثانية.

وعقب إعادة إعماره، أصبح مسجد الفاشر العتيق حلة معمارية بطابقين، ويسع لأكثر من خمسة آلاف مصلٍّ، ويحتوي على قبة ضخمة ومئذنة شاهقة تشق سماء مدينة الفاشر العريقة.

ويمثل المسجد رمزا لأهل دارفور ولمدينة الفاشر بصورة خاصة، إذ تخرج فيه آلاف العلماء والفقهاء منذ تأسيسه، وأقيمت فيه المحاضرات وحلقات العلم، وصار علماؤه من أشهر فقهاء السودان.

بعد سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ظل نشاط المسجد محدودا في ظل مغادرة غالبية سكان المدينة واستمرار التوتر وتدهور الأوضاع الأمنية فيها.

وفي مارس/آذار 2023 غيب الموت إمام وخطيب مسجد الفاشر الكبير عبداللطيف بشير إبراهيم الوالي، عن تسعين عاما.

اعتلى الشيخ عبد اللطيف الوالي منبر المسجد العتيق الذي تأسس عام 1933 في ستينات القرن الماضي بوصفه الإمام والخطيب الرابع للمسجد منذ التأسيس. وتلقى الراحل تعليمه في المعهد العلمي بالفاشر الذي أنشئ عام 1944 قبل أن يتحول إلى مدرسة دارفور الثانوية، وحفظ القرآن الكريم مع أخويه الشيوخ محمد وأحمد، منذ الصغر، كما عمل معلما بمدارس المرحلة المتوسطة.

مسجد الابيض الكبير

منارة الأبيض

لأكثر من قرن يرجع تاريخ بناء مسجد الأبيض الكبير، إذ يعد من أعرق المساجد بمدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان وشهد في المراحل السابقة عددا من التحسينات إلا أن سعته أضحت غير كافية لاستقبال عدد المصلين الذين يأتون للمسجد من جميع أنحاء المدينة حتى تم هدمه وإنشاء مسجد حديث مكانه.

ويعد مسجد الأبيض أو “المسجد الكبير”، كما يطلق عليه، من المعالم الدينية المعروفة لجميع سكان مدينة الأبيض، وقد شيد المسجد عام 1793 عن طريق القاضي عربي بن أحمد كنين الهواري الذي تولى الفتوى الشرعية في كردفان ودارفور.

بني المسجد في موقعه الحالي وفي المرحلة الثانية عام 1810 بالطوب المحروق، وأعيد ترميمه عام 2015 ليكتمل بشكله الأخير.

يسع المسجد ستة آلاف شخص في داخله على الأرض وفي الطابق الأول، كما يسع مسجد النساء الملحق لـ1500 من المصليات، وتصل سعة المسجد الكلية في صلاة الجمعة إلى عشرة آلاف شخص بعد استخدام الصالات الجانبية والممرات والباحات الخارجية.

ومنذ بداية رمضان، يشهد المسجد إقبالا ملحوظا من المصلين، نظرا لموقعه في وسط السوق الرئيسي لمدينة الأبيض، مع ازدحام واضح أثناء صلاة التراويح.

 ويعود تطوير المسجد وإعادة بنائه على طراز حديث إلى حاكم ولاية شمال كردفان السابق أحمد هارون الذي قاد حملة شعبية ورسمية لتطوير مؤسسات الولاية الخدمية والتعليمية ومعالمها الدينية.

معلم تاريخي

وفي شمال السودان، يظل مسجد عبد الله بن أبي السرح في دنقلا العجوز، الواقعة في الولاية الشمالية بالسودان، من أبرز المساجد التاريخية. ويعتبر واحدا من أقدم المساجد في السودان وإفريقيا، حيث يعود تاريخه إلى بداية الفتوحات الإسلامية في المنطقة.

وجاء بناء مسجد دنقلا العجوز حين أرسل حاكم مصر عمرو بن العاص، قائده عبدالله بن أبي السرح لفتح بلاد النوبة شمالي السودان بعد فتح مصر عام 641 ميلادية.

وواجهت القوات المسلمة مقاومة شرسة من قوات مملكة المقرة المسيحية، وعقد عبد الله بن أبي السرح معهم معاهدة هدنة باسم “البقط” الشهيرة، والتي قضت ببناء مسجد دنقلا العجوز، وبات أحد أبرز المعالم  السياحية والدينية في البلاد.

وترجع تسمية المسجد إلى بلدة دنقلا العجوز التي كانت عاصمة لمملكة “المقرة” النوبية قبل الفتح الإسلامي، وهي واحدة من أقدم مدن البلاد، وتبعد نحو 105 كيلومترات عن مدينة دنقلا عاصمة الولاية الشمالية المتاخمة للحدود المصرية.

ويجاور مسجد دنقلا العجوز قلعة الخندق الشهيرة، وتوجد بالقرب منه بقايا كنيسة وعدد من الأديرة، ويعرف أيضا بمسجد عبد الله بن أبي السرح نسبة إلى قائد قوات الفتح الإسلامي للبلاد.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع