مقالات

مدافع آية الله صالحي

محمد الفكي سليمان

هذا المقال من الإرشيف – كتبته في 11 نوفمبر 2012 – ونشر بالتزامن في صحيفة القرار السودانية وصحيفة الراكوبة الإلكترونية.

في الحوار الذي أجرته صحيفة الوطن القطرية ونشر بالتزامن في صحيفة القرار السودانية تحدث وزير الخارجية الإيراني في عدد من القضايا في المنطقة العربية والإسلامية، جميع القضايا التي ناقشها الوزير الإيراني تهمنا وتلامس المحيط الحيوي للسودان لكنه تحدث وبدون مواربة عن قضية مصنع اليرموك الذي قصفه الطيران الإسرائيلي في السودان وقال إن إيران تبيع السلاح لكل من يرغب في شراء السلاح في إطار القانون، وهي إجابة دبلوماسية بطبيعة الحال يمكن أن تفسر في اتجاه التقنية الإيرانية التي تعمل في التصنيع الحربي في السودان والعكس أيضاً صحيح.

السؤال الذي يطرح نفسه لماذا يستمر السودان في تسليح نفسه وهو الدولة المنهكة مادياً والخارجة من أطول حروب القارة، السودان فقد أكثر من ثلثي دخله من النقد الأجنبي نتيجة لأخطاء تفاوضية لا تخفى على سياسي مبتدئ سلم بموجبها كل النفط إلى جنوب السودان بحجة أن النفط مقابل السلام، هذا السلام الذي لم يحدث أبداً، ومع التضعضع الاقتصادي الذي لامس حافة الانهيار الكامل استمر الإنفاق الأمني والعسكري على حاله بل ظهرت أصوات هنا وهناك تطالب بزيادة هذا الإنفاق لمواجهة القضايا الأمنية المتزايدة نتيجة الأداء المخزي للجناح السياسي للحزب الحاكم.

في كتابه مدافع آية الله يسأل الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل شاه إيران سؤال مباشر لماذا تشترون السلاح بهذه الكثافة وتبددون ثروات إيران، أنتم القوة الأولى في الخليج دون أي منافس، كما أن التكافؤ في التسليح بينكم وبين الاتحاد السوفيتي الذي تخشونه لن يحدث أبداً حتى لو أنفقتم كل أموال إيران في شراء السلاح، يومها أجاب شاه إيران إجابة أوضحت أن تخوفه الحقيقي فعلاً كان موجه نحو السوفيت إذ قال ترسانتنا العسكرية بالنسبة لنا مثل الترباس على الباب حتى ينهض أصدقاؤنا لنجدتنا، وضح الشاه أن في حالة مواجهة مع الاتحاد السوفيتي وهي مواجهة واردة في حسابات شاه إيران فإن كل ما ستقوم به قواته هو الصمود حتى يهب الأصدقاء، والتكهن عن ماهية الأصدقاء لا يحتاج إلى ذكاء كبير ومن سينهض للسوفيت في تلك الأيام سوى الولايات المتحدة والتي كانت تربطها مع إيران حوالي أربعمائة اتفاقية مشتركة ومع ذلك لم يستفد الشاه من تلك الأسلحة حينما اشتعلت ثورة الخميني وبدأت حرب الكاسيت، ويومها وجه الخميني القوات النظامية للهروب من العمل تحت خدمة الشاه حتى جاءت اللحظة التي قال فيها أحد الجنرالات لقد أصبحنا جنرالات من غير جنود، ووقع السلاح الأمريكي الحديث تحت يد الثورة الإسلامية التي اتخذت من واشنطن عدوها الأول إلى يوم الناس هذا.

في السودان يحق لدافع الضرائب معرفة لماذا تريد الحكومة إنتاج مزيد من السلاح وما هي الحروب التي ستندلع ولا سيما أن ذلك المواطن قد اقتيد قسراً عبر آلة الإعلام الحكومية إلى الموافقة بالتنازل عن جزء عزيز من وطنه (جنوب السودان) مقابل الوعد بالسلام، معرفة إنتاج السلاح من حق دافع الضرائب ولا سيما أنه يمول هذا الإنتاج وهو من سيحمل هذا السلاح حال اندلاع الحروب الكبيرة.
عشرات التصريحات انطلقت تهدد إسرائيل بالرد في الوقت والزمان المناسبين، الفزاعة الإسرائيلية وسيلة كل الأنظمة العربية لتخويف شعوبها من مساءلة المخفقين في القيام بواجباتهم وهي فزاعة لم تستخدم عندنا قديماً نسبة لوجودنا في منطقة الهامش العربي الذي لم يلزمنا بالدخول في مواجهة مع إسرائيل. الأنظمة العربية في منطقة المواجهة استخدمت أموالاً في شراء سلاح لم يستخدم أبداً في مواجهة إسرائيل بل خرج ذات صباح في سوريا ليسحق شعبه، ويرى بعض الأكاديميين أن شراء السلاح من قبل الدول العربية الفقيرة لتحقيق التكافؤ التسليحي مع إسرائيل أن هذا التكافؤ لن يحدث أبداً ليس بسبب عدم مقدرة هذه الدول في الحصول على التقنيات التسليحية المتطورة والتي ترفض الدول الغربية بيعها للعرب بينما تعطيها لإسرائيل عن طيب خاطر، بل أن هذا التكافؤ لن يتحقق لأن الدول العربية في سبيل إسراعها نحو التسليح تعمل على تدمير قطاعات اقتصادية صاحبة الدور الأساسي في عملية بناء الدولة والتسليح.

ليلة سقوط الاتحاد السوفيتي لم يكن السوفيت بدون سلاح، كانت لديهم كل التقنيات والصواريخ والقنبلة الذرية ولكنه بلد مفكك الأوصال عاجز عن إنتاج الخبز والحليب والدواء لأبنائه وعاجز عن توحيد جبهته الداخلية وتجديد حزبه العتيد الذي حكم الإمبراطورية بالحديد والنار.

البكاء عن عدم وجود التقنيات التي تحمي البلاد غير مجدٍ، إذا وفرنا كل التقنيات ورادارات المراقبة الموجودة في العالم اليوم على استحالة ذلك الحلم لن نسلم من قصف جوي بعد شهر، لأننا نشتري التقنيات ولا ننتجها وبالتالي إمكانية الحصول على تقنية أحدث من التي نملك أسهل من نزهة برية ذات صباح خريفي، الشاه عندما اشترى السلاح من أمريكا لمواجهة الاتحاد السوفيتي قال إنه في حالة اندلاع معركة كل الذي يقع على عاتقه هو الصمود حتى يهب الأصدقاء لنجدته، من هم أصدقاؤنا نحن؟ هذا هو السؤال الذي يجنبك أن تكون فريسة سهلة لكل مخلب. إنه سؤال السياسة والعمل الدبلوماسي، لكن الأداء الدبلوماسي والسياسي يجعل كل العالم يتفرج علينا ليؤكد حقيقة واحدة وقاسية وهي أننا في الواقع بلا أصدقاء وحتى إيران التي ركبنا هذا المركب من أجلها لا تستطيع فعل شيء، إفادات وزير الخارجية حول عدم علمه بالتنسيق مع إيران لا يفسر ضعفه بقدر ما يفسر تباعد خطوط خلية الأزمة، فالمعسكرات في الحزب الحاكم موجودة والتيار الذي يناصر إيران قديم وتاريخي، فالحركة الإسلامية نفسها كما أوضح قطبي المهدي في حواره السابق فيها السلفي والليبرالي والصوفي والخ، وهذا أمر معروف وقديم في الجبهة الإسلامية، لكن أن ينعكس على أداء الدولة وملفاتها الخارجية ورؤيتها في إدارة الوطن ووضعه في حالة حرب مع إسرائيل هذا يوضح أن هذه التيارات يمكن أن تقود إلى كارثة أكبر مما صنعته الحركة الإسلامية بالوطن في السنوات السابقة.

وزير الخارجية الإيراني عندما سئل عن ما إذا كانت ضربة السودان بروفة لضرب إيران قال إن إسرائيل لن تضرب إيران لأنها تخاف من ردود الأفعال الإيرانية -انتهى- ويفهم من السياق أنها لم تخف من السودان، ويا سيد صالحي وأنت نعم الصديق لبلادنا لماذا لم تنصحنا مجرد النصح من تلك السكة الخطرة إذا كنت تعرف أن إسرائيل لا تخشى ردود أفعالنا نحن دولة السودان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع