تقارير

ما دلالات إقامة امتحانات الثانوية السودانية في مناطق سيطرة “الدعم السريع”؟

تقرير - مشاوير

أثار الإجراء الذي قامت به الحكومة الموازية التابعة لتحالف “تأسيس” بتشكيل لجنة فنية للإشراف على اختبارات الشهادة الثانوية لهذا العام تمهيداً لتنظيمها في مناطق سيطرة قوات “الدعم السريع” في غرب السودان، كثيراً من الجدل والانتقادات حول جدوى إجرائها في هذا الظرف، وكذلك المخاوف الجدية بالتقسيم السياسي والجغرافي للبلاد.

وحذرت الجهات التربوية المتخصصة بشؤون التعليم، وعلى رأسها لجنة المعلمين السودانيين، من هذه الخطوة، معتبرة أن تعدد مراكز القرار في ملف اختبارات الشهادة الثانوية، وربطها بمناطق السيطرة العسكرية، يفتحان الباب عملياً أمام واقع تعليمي منقسم، يؤشر إلى انفصال فعلي للدولة السودانية حتى وإن لم يعلن الأمر رسمياً.

إصرار وترتيبات

من جانبها شكلت الحكومة الموازية في مناطق سيطرة “الدعم السريع” لجنة فنية للإشراف على اختبارات الشهادة الثانوية لهذا العام، بعد أسبوع من إعلانها اكتمال الترتيبات الفنية والإدارية والأمنية لإجراء الاختبارات. وأصدرت وزارة التربية والتعليم في حكومة “تأسيس”، قراراً بوضع خطة شاملة لاختبارات الشهادة الثانوية تستوعب الطلاب الذين لم يتمكنوا من الجلوس للاختبارات منذ اندلاع الحرب، وإعداد ترتيبات لمعالجة فاقد التحصيل الأكاديمي الناتج من توقف الدراسة، وكذلك الإشراف على إعداد اختبارات الشهادة الثانوية للعام الدراسي الحالي وتقييم نتائجها ورفع التوصيات للجهات المتخصصة.

وأوضح القرار الصادر بتوقيع وزير التربية والتعليم كوكو محمد جقدول أن “تشكيل اللجنة يأتي استجابة للتحديات الأمنية واللوجيستية التي أعاقت مسيرة التعليم العام، ولمخاطبة القضايا العاجلة الواردة في برنامج حكومة السلام، وعلى رأسها استحقاق اختبارات الشهادة الثانوية”.

وبحسب الحكومة الموازية شملت مهام اللجنة ضمان توفير التمويل اللازم لتغطية معينات العمل المرتبطة بالإعداد والتنفيذ، وتهيئة البيئة المناسبة لتمكين الطلاب من أداء الاختبارات في ظروف آمنة، وكذلك ضمان سرية الاختبارات والشفافية في عمليات التصحيح وإعلان النتائج، إضافة إلى التنسيق مع الجهات ذات الصلة لتجاوز العقبات الإدارية واللوجيستية والمالية والأمنية المصاحبة لعملية الاختبارات في ظل الأوضاع الراهنة بالبلاد.

تحذيرات ومخاوف

في السياق أفادت لجنة المعلمين السودانيين بأنها “تابعت قرار حكومة الأمر الواقع بمدينة نيالا الخاص بتشكيل لجنة إشرافية لاختبارات الشهادة الثانوية، بما يعزز ما نبهنا إليه من خطورة تحويل التعليم إلى أداة لتكريس الانقسام الجغرافي والسياسي”، وأضافت في بيان أن “صراع الحكومة السودانية والحكومة الموازية، ومحاولة كل طرف تثبيت موقعه كحكومة كاملة الصلاحيات داخل نطاق سيطرته عبر بوابة اختبارات الشهادة الثانوية، يترجم المخاوف التي ظلت اللجنة تنبه إليها منذ وقت مبكر”، وأشارت إلى أن “الشهادة الثانوية السودانية ليست إجراء إدارياً محلياً، بل استحقاق قومي سيادي يمثل رمزاً لوحدة الدولة ومؤسساتها التعليمية”.

محذرة من خطورة مضي الحكومة الموازية التي شكلها تحالف “تأسيس” في إجراء الاختبارات بمناطق سيطرة “الدعم السريع”.

ولفتت إلى أن “تعدد مراكز القرار في هذا الملف يؤشر إلى انفصال فعلي”، وجددت لجنة المعلمين دعوتها إلى تشكيل لجنة قومية مستقلة ومحايدة تضم خبراء تربويين مشهوداً لهم بالكفاءة، تتولى تنسيق عقد الاختبارات بعيداً من الاستقطاب السياسي والعسكري.

طلاب سودانيين

خطوة غير مسبوقة

في السياق أوضح المتخصص التربوي سعيد بشارة أن “تنظيم الاختبارات في المناطق الخاضعة لسيطرة كل طرف من أطراف الحرب يعد سابقة لم يشهدها السودان من قبل”، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تندرج ضمن سياسات قد تسهم في ترسيخ تقسيم البلاد.

وأضاف أن الصراع المسلح أدى إلى تعميق الانقسامات المجتمعية والعرقية، ليتحول لاحقاً إلى انقسامات إدارية وجغرافية طاولت حتى اختبارات الشهادة الثانوية القومية، التي كانت في السابق أحد رموز الوحدة الوطنية، إذ كانت تجمع طلاب السودان من مختلف المناطق، داخل البلاد وخارجها، في مرحلة عمرية واحدة.

وأشار إلى أن “هناك عقبات وتعقيدات تحول دون تنظيم الاختبارات في مناطق سيطرة (الدعم السريع)، منها تدهور الوضع الأمني، مما يعيد إلى الأذهان مخاوف تكرار سوابق كشف الاختبارات أو حرقها بسبب تعقيدات التأمين، فضلاً عن استمرار المعارك والقصف من دون حتى هدنة إنسانية أو وقف موقت للقتال”.

ولفت المتخصص التربوي إلى أن “آلاف الطلاب غير جاهزين للجلوس للاختبارات نتيجة عدم انتظامهم في الدراسة لأكثر من عامين ونصف العام، وكذلك تواجه مئات الأسر صعوبات في تأمين وصولها إلى مراكز الاختبارات في ظل غياب ممرات آمنة بخاصة بعد الأنباء المتواترة عن حوادث اعتراض واعتقال يتعرض لها المواطنون في الطرقات وداخل المدن”.

وطالب باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية حقوق الطلاب بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان واعتماد حلول تراعي الظروف التي تحول دون قدرة الطلاب على الوصول إلى مراكز الاختبارات، وتخلق واقعاً يعمق الفجوة في فرص التعليم ويكرس لانعدام العدالة.

تحقيق العدالة

من جانب آخر، اعتبر الموجه التربوي المتقاعد عادل جابر أن “طلاب ولايات دارفور الخمس، وثلاث من ولايات كردفان، دفعوا ثمن الصراع المسلح غالياً، بخاصة بعد حرمان أكثر من 500 ألف طالب من الجلوس للاختبارات، العام الماضي، نتيجة إصرار الحكومة السودانية على عقد اختبارات الشهادة الثانوية في مناطق سيطرة الجيش السوداني من دون سائر الولايات الأخرى”.

وشدد على ضرورة أن يؤدي طلاب ولايات دارفور وكردفان الاختبارات هذا العام خصوصاً الذين لم يتمكنوا من الجلوس لاختبارات الشهادة الثانوية منذ اندلاع الحرب تحقيقاً للعدالة ومعالجة أزمة تراكم الدفعات.

وسخر جابر من مزاعم تسبب تنظيم الاختبارات في مناطق سيطرة “الدعم السريع” في تقسيم البلاد، مبيناً أن “الحكومة السودانية تلاعبت بمصائر آلاف الطلاب في دارفور وكردفان خلال العامين الماضيين، وحرمتهم من الجلوس للاختبارات، ومارست التمييز وشجعت حال الانقسام المجتمعي وسط السودانيين، ومن ثم يجب النظر بمستقبل الطلاب وليس ربط ملف اختبارات الشهادة الثانوية بمناطق السيطرة العسكرية”.

عدم حرص

من ناحيته رأى المعلم المتقاعد الطيب الهادي أن “الحكومة الموازية بقيادة تحالف (تأسيس) غير حريصة على مستقبل الطلاب واستمرار العملية التعليمية بدليل منع الطلاب الموجودين في مناطق سيطرتها من التوجه إلى مراكز الاختبارات خلال العامين الماضيين”.

ونوه الهادي بأنه “من غير المستبعد أن تكون الاختبارات التي تنوي الحكومة الموازية عقدها مبسطة وسهلة أو قد يتم التدخل فيها لتحسين النتائج تماشياً مع الوضع والظروف المحيطة بها، لكن ذلك قد يتسبب مستقبلاً في ظهور جيل غير ناضج من المتعلمين”.

هاجم المعلم المتقاعد “الدعم السريع” لمنعها طلاب دارفور وكردفان من السفر لأداء الاختبارات، سائلاً “إذ كان الحرص على الطلاب هو الدافع فلماذا تمنع سفر الطلاب ولا تسهل لهم الذهاب إلى مناطق الاختبار؟”.

طلاب سودانيين

دورة جديدة

إلى ذلك أعلنت الحكومة السودانية عزمها تنظيم اختبارات الشهادة الثانوية في أبريل المقبل، لتكون ثالث دورة اختبارات تعقد منذ اندلاع الحرب.

وشكا طلاب من دارفور من صعوبات تعوق الوصول إلى مراكز الاختبارات بالمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، تشمل انعدام الأمن على الطرقات ومخاوف التعرض للاعتقال بذريعة التعاون مع “الدعم السريع”.

ودرجت “الدعم السريع” على اعتقال الطلاب الذين يغادرون مناطق سيطرتها في دارفور وكردفان لأداء اختبارات الشهادة الثانوية، إذ يفرج عن بعضهم بعد دفع فدية مالية، وكذلك يحتجز آخرون في مراكز تابعة لها.

وقبل أسابيع من اندلاع الحرب في منتصف أبريل عام 2023 تعطل العام الدراسي، ولم يتمكن أكثر من 570 ألف طالب من الجلوس لاختبارات الشهادة الثانوية، وتوالت بعدها دفعات جديدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع