
احتفل السودانيون داخل وخارج البلاد أول أمس بآخر (خميس) في شهر رمضان، كتقليد سنوي لموسم الصدقات على أرواح الموتى من الأقارب، ويعرف هذا التقليد بـ”الرحمتات” وتعقبه آخر جمعة من الشهر الفضيل التي تعرف بـ”الجمعة اليتيمة”.
وتقوم الفكرة على التصدق بالطعام على الفقراء والأطفال على وجه الخصوص، بنية ذهاب ثوابه للراحلين من أفراد الأسرة المحددة جميعاً أو أحدهم، ويقدم فيها طعام خاص يتكوّن من اللحم والخبز والأرز وشراب منقوع التمر.
تأثير تداعيات الحرب
وقبل اندلاع الحرب كان السودانيون يذبحون الذبائح في يوم “الرحمتات”، وتعد النساء منها “الفتة” واللحم والخبز والأرز، ومشروب التمر المعجون في الماء، لكن تداعيات الصراع المسلح والأزمة الاقتصادية لم تعد تمكن الملايين من ذبيح “الرحمتات” ، فيضطرون لشراء بعض اللحم لتقديمه صدقة لموتاهم في هذا اليوم.
وتقام أحياناً في أشكال جماعية، خصوصاً في قرى السودان المختلفة، ويطلقون عليها “الرحمتات عشا الميتين”، تشترك فيها أسر عديدة أو عائلة بمفردها، والغرض منها التقرب إلى الله، متمنين بلوغ ثوابها للموتى من أفراد العائلة.
و”الرحمتات” بمثابة عيد للأطفال، يغنون فيه ويلعبون ويأكلون اللحوم والفتة متجولين من بيت لآخر، ويأكلون الفتة حارة، مغنين بأغنيات تستحث “ست البيت” على تقديم الطعام لهم بسرعة، بما يجعل منه يوماً لإثراء الحياة الاجتماعية بين الناس، وإشاعة روح التكافل والتواصل، والحفاظ على تقاليد تقاسم الطعام، وإفشاء الود والتراحم، يفرح به الأطفال والفقراء إذ يأكلون خلاله اللحم ويشربون منقوع التمر.

مخاوف من التلاشي
في السياق، تصف منال محمد الأمين التي تسكن مدينة الأبيض، “الرحمتات” بأنها من التقاليد الحبيبة التي تميز السودانيين، بيد أنها حذرت من تلاشي “الرحمتات” بسبب الضائقة المعيشية التي يواجهها الناس، وتمنت عدم زوال صدقتها.
وتقول الأمين لمنصة (مشاوير) أنه “على الرغم من أنها عادة متوارثة، لكنها على ما يبدو لم تصمد أمام متغيرات المجتمع،
وفي كردفان حيث المطبخ الثري بخصوصيته المعروفة، فإن لـ”الرحمتات” فرادتها، إذ تحضر الفتة ومشروب التمر بطريقة خاصة، تحفظ قيمتها الغذائية وطعمها ومذاقها.
وأضافت “تقدم في أوانٍ فخارية، كما يقدم مشروب التمر في “البرمة”، ويشرب منه بكأس من “القرع”، وتقدم الفتة واللحم على قدح من الفخار مزين بالنقوش السعفية.
وتابعت “صدقة” الرحمتات” مهددة بالتلاشي وبالتناسي، لأن الكثير من الأجيال الجديدة في المدن على وجه الخصوص، قد لا يعرفونها، ولأن الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد أثرت كثيراً على قدرات الناس في الإنفاق، لكن الأرياف والقرى لا تزال تتراحم وتقيم “الرحمتات” رغم فقرها، لأن تكافلها سبب بقائها.
أغنيات خاصة
من جهته يقول الباحث الاجتماعي سالم البشير لمنصة (مشاوير) إنه “وفي بعض المناطق يكون طقس تقديم الطعام بعد صلاة العشاء، حيث يتجول الأطفال في الحلة من بيت إلى آخر وهم يطرقون الأبواب لتقدم لهم الأطعمة والتمر.
كما يطلقون على فتة الطعام التي تقدم لهم “الحارة”، ويسمع نداء الصغار وهم يغنون :
الحاره ما مرقت
ست الدوكه ما وقعت
قشاية قشاية
ست الدوكة نساية
كبريتة كبريتة
ست الدوكة عفريتة
ليمونة ليمونة
ست الدوكة مجنونة”
ويضيف “يقصد بست الدوكة المرأة التي تقوم بتحضير الطعام وعادة يقصد الأطفال المنازل التي سينعمون فيها بالطعام الوفير.
وأوضح البشير أن “هذه العادة هي نفسها عادة القرقيعان أو القرنقشوه في بلدان الخليج العربي ولكن بلمسة سودانية.




