تقارير

أطفال السودان النازحون لا يملكون ترف انتظار الدبلوماسية

تقرير - مشاوير

يشهد السودان اليوم أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم، ومع ذلك لا تزال من أكثر الأزمات التي لا تحظى بالاهتمام.

فقد أُجبر 5 ملايين طفل على مغادرة منازلهم، فيما يحتاج 17 مليوناً إلى مساعدات إنسانية. كما فقد ما يقرب من نصف أطفال السودان ما بين 15 و18 شهراً من التعليم.

يصعب استيعاب هذه الأرقام، لكنني التقيت، في وقت سابق من هذا الشهر داخل السودان، الأطفال الذين تختبئ قصصهم خلف هذه الإحصاءات.

لقد تكبدوا خسائر لا يمكن تصورها. فتيات وفتيان يعيشون في خوف دائم، مثقلين بصدمات ما رأوه وما مروا به. وبالنسبة إليهم وإلى أسرهم، أصبح البقاء على قيد الحياة معركة يومية.

وقد كشف لي لقائي بفرح، وهي أم لأربعة أطفال احتمت في مدرسة ابتدائية خارج بورتسودان، حجم الخيارات المستحيلة التي يُجبر الآباء والأمهات في مختلف أنحاء السودان على اتخاذها لمجرد إبقاء أطفالهم على قيد الحياة.

فقد فرت فرح مع أطفالها من القتال في الخرطوم أواخر عام 2023، أي بعد ثمانية أشهر من اندلاع الحرب. وبعد أسابيع من النزوح، وجدت الأسرة في نهاية المطاف ملاذاً في حي المطار، حيث تحولت مدرسة حكومية ابتدائية تدعمها منظمة “إنقاذ الأطفال” إلى مأوى للعائلات التي أُجبرت على ترك منازلها. وبعد ما يقرب من عامين، لا تزال فرح وأطفالها هناك، يعيشون في خيمة صغيرة داخل حرم المدرسة.

قالت لي: “لا يزالون يستيقظون على كوابيس”.

وكأم، تفعل كل ما في وسعها لتعيد إلى أطفالها شيئاً يشبه الطفولة الطبيعية. فقد عادوا إلى الدراسة، وبدأوا يكونون صداقات، وشرعوا ببطء في استعادة شعورهم بالأمان.

لكن حتى هذا الإحساس الهش بالأمان قد لا يدوم طويلاً. فالسلطات المحلية تخطط لنقل العائلات النازحة من المدرسة إلى موقع استيطان جديد. وبالنسبة إلى فرح وأطفالها، تبدو فكرة البدء من جديد في مكان آخر غير مألوف عبئاً يفوق الاحتمال.

وقصتهم ليست استثناء، بل هي واقع تعيشه عائلات كثيرة في أنحاء السودان.

اطفال السودان

فالسودان لا يواجه مجرد أزمة إنسانية، بل يشهد انهيار الخدمات التي تُبقي الأطفال على قيد الحياة وتساعدهم على النمو، من الرعاية الصحية والتعليم إلى الحماية والأمان الأساسي.

وكثير من الانتهاكات يجري في مناطق خارج نطاق الوصول الإنساني، من دون أن تُرى أو تُوثق. وهكذا يتألم أطفال السودان إلى حد بعيد، بعيداً عن الأنظار.

وعلى رغم الكارثة الإنسانية، ظلت الاستجابة الدولية تعاني نقصاً مزمناً في التمويل. ففي عام 2025، لم يتوافر سوى أقل من 40 في المئة من التمويل الإنساني المطلوب.

هذه ليست أزمة عجز العالم عن ملاحظتها، بل أزمة اختار العالم تجاهلها.

وعواقب هذا الإهمال مدمرة

فأكثر من 80 في المئة من مستشفيات السودان لم تعد تعمل. وحتى تلك التي لا تزال مفتوحة غالباً ما تفتقر إلى أبسط الإمدادات. والأطفال الذين كان يمكن علاجهم بسهولة من سوء التغذية أو المرض لا يستطيعون الوصول إلى الرعاية. والعائلات التي فقدت كل شيء تُدفع إلى مزيد من الجوع والنزوح واليأس. أما الأطفال الذين كان يفترض أن يكونوا في أمان ويتعلموا في المدارس، يُتركون عرضة للخطر، ويتآكل الأمل في نفوسهم.

والتقيت أيضاً أماً أخرى فرت من حصار الفاشر. وكانت تحمل طفلها من ذوي الإعاقة على ظهرها فيما كانت الأسرة تهرب من القتال.

ولم يُسمح لابنها البالغ 17 عاماً بالمرور عبر نقطة تفتيش، فقُتل خلال أعمال العنف. أما ابنها الآخر، البالغ 15 عاماً، فقد شهد أهوالاً لا ينبغي لأي طفل أن يراها، وهو الآن مصاب بصدمة نفسية شديدة جعلته يفقد القدرة على الكلام.

وصلت الأسرة إلى مخيم للنازحين في ولاية نهر النيل وهي لا تكاد تملك شيئاً. فقد سلبها مسلحون معظم ما كان معها خلال رحلتها الطويلة والشاقة. واليوم، يتقاسم أفرادها الخمسة خيمة متواضعة لا تضم سوى سرير واحد.

ومع ذلك، وسط هذا الخراب، يحدث أمر استثنائي أيضاً.

اطفال السودان

ففي مختلف أنحاء السودان، تواصل المجتمعات المحلية إبقاء الحياة ممكنة عبر ما يُعرف بـ”غرف الاستجابة الطارئة”، وهي مبادرات غير رسمية يقودها المجتمع المحلي، ومتجذرة في تقليد سوداني عريق هو “النفير”، أي الدعوة إلى العمل الجماعي.

وقد أصبحت هذه المجموعات شريان حياة حقيقي

ففي الأحياء التي انهارت فيها الأسواق واختفت منها الخدمات العامة، تتولى غرف الاستجابة الطارئة والمطابخ المجتمعية تنظيم توزيع الغذاء، وتقديم المساعدة الطبية، وتوفير الدعم المحلي. وهي تعمل رغم الأخطار الهائلة، بما في ذلك التعرض لهجمات متعمدة. وأنا فخور بأن منظمة “إنقاذ الأطفال” تدعم هذه الجهود.

لكن المبادرات التي تقودها المجتمعات المحلية لا تستطيع وحدها مواجهة أزمة بهذا الحجم.

وهنا تحديداً يغدو الدور البريطاني حاسماً.

فالمملكة المتحدة ستشارك في استضافة مؤتمر دولي بشأن السودان في برلين خلال أبريل بمناسبة الذكرى الثالثة للحرب. ويوفر هذا المؤتمر فرصة حيوية لدفع التحرك الدولي، سواء لإنهاء النزاع أو لتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة.

تعمل منظمة “إنقاذ الأطفال” في السودان منذ أكثر من أربعة عقود. واليوم، نوفر الرعاية الصحية، وندعم المدارس، ونحمي الأطفال، رغم بيئة شديدة التقلب والخطورة.

وعندما يتوافر التمويل نستطيع الاستجابة. وحين تنجح فرقنا على الأرض، عبر التواصل مع مختلف أطراف النزاع، في انتزاع تصاريح الوصول والعمل، نتمكن من إيصال المساعدة. لكن المنظمات الإنسانية لا تستطيع سد الفجوة العالمية في الإرادة السياسية.

يجب على المجتمع الدولي ألا ينتظر وقوع مزيد من الفظائع قبل أن يتحرك. فأطفال السودان بحاجة إلى حماية عاجلة الآن.

معظّم مالك الرئيس التنفيذي لمنظمة “إنقاذ الأطفال” في المملكة المتحدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع