المطلوب الآن هو الإعلان عن تأجيل الامتحانات، ثم دراسة تجارب إقليمية وعالمية كثيرة في هذا المجال، والتواصل مع منظمتي اليونيسف واليونسكو للمساعدة في إجراءات عقد الامتحان في كل أنحاء السودان.
تقترب التواريخ التي تم تحديدها لامتحانات الشهادة السودانية من قبل حكومة الدكتور كامل إدريس، وحكومة السلام التي يقودها في نيالا السيد محمد حسن التعايشي. أكتب هذا بغضّ النظر عن أي رأي في أيٍّ من الحكومتين ومسمياتهما.
واقع الحال يقول إن الجيش يسيطر بصورة كاملة على تسع ولايات: ولايات الشرق الثلاث، وولايتي الشمال والخرطوم، ثم ولايات الإقليم الأوسط الثلاث: الجزيرة والنيل الأبيض وسنار. وتسيطر سلطة “تأسيس” على ست ولايات بصورة كاملة، هي ولايات دارفور الخمس وولاية غرب كردفان، وهناك ثلاث ولايات مجزأة السيطرة، هي شمال وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
ما يعنينا هنا في مسألة امتحانات الشهادة السودانية هو أن مجموعات كبيرة من طلاب الشهادة سيكونون ضحية لهذا التقسيم، ومن المحتمل أن تضيع عليهم سنوات دراسية متراكمة، بما يعني ضياع مستقبلهم.
الإحصائية التي قدمتها “المبادرة القومية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية” تقول إن هناك حوالي 280 ألف طالب وطالبة مهددون بفقدان فرصهم في الامتحان والدخول إلى الجامعات، بسبب وجودهم في المناطق الواقعة تحت سلطة “تأسيس”، مما يزيد من تعقيد الأوضاع المتأزمة أصلًا في بلادنا. وقد تأسست هذه المبادرة بجهد حثيث من مجموعة من أبناء الوطن المهتمين بمصير هؤلاء الطلاب، وهدفها البحث عن حل ينقذ مستقبلهم من ناحية، ويقاوم في الوقت نفسه محاولات ترسيخ مفهوم تقسيم السودان، ليس فقط على أساس النفوذ العسكري، بل حتى على المستوى المادي والإنساني والعاطفي.
واحد من أهم أسباب الحروب المتتالية التي دخلت فيها بلادنا هو إحساس مناطق ومجموعات سودانية بأنها خارج اهتمام الدولة والنخب السياسية والمجتمع، وأنها تتعرض للتهميش على أصعدة متعددة، أهمها الخدمات التي تقدمها الدولة كالصحة والتعليم والبنى التحتية. إن إقامة الامتحانات في مناطق بعينها وحرمان طلاب المناطق الأخرى يرسخ هذا المفهوم، ويقنن ويشرعن واقع الانفصال عبر معاقبة الطلاب على ذنب لم يقترفوه.
تواصلت المبادرة مع كل الجهات المحلية والدولية، بما في ذلك اتصالات مع بورتسودان والخرطوم ونيالا لإيجاد حل لهذه المشكلة، حيث إن ما هو مطروح من ترحيل هؤلاء الطلاب من مناطق سيطرة “تأسيس” إلى مناطق أخرى يواجه صعوبات حقيقية، إلى جانب أنه يحرمهم من أداء الامتحان في بيئتهم الطبيعية وسط أهلهم، كما هو متاح للطلاب الآخرين.
المطلوب الآن هو الإعلان عن تأجيل الامتحانات، ثم دراسة تجارب إقليمية وعالمية كثيرة في هذا المجال، والتواصل مع منظمتي اليونيسف واليونسكو للمساعدة في إجراءات عقد الامتحان في كل أنحاء السودان.
مقترحات الحلول متوفرة وممكنة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية تقدم مستقبل الطلاب على كل اعتبار آخر، كما تحتاج إلى ضغوط وعمل مثابر ومتواصل من منظمات المجتمع المدني والكتل الاجتماعية والمدنية المختلفة. ومن يدري، فقد يفتح هذا الأمر الباب لحوار سوداني واسع يقودنا إلى وقف الحرب والعمل على تحقيق السلام.