مقالات

الحرب على إيران … توازن استنزاف لا توازن حسم

عبد الجليل سليمان 

دخل الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، في مرحلة تصعيد متسارع يُدار ضمن منطق تكتيكي محكم، بعيد عن إعلان حرب شامل. الولايات المتحدة عززت انتشارها في الشرق الأوسط بنشر حوالي 3 آلاف و4 آلاف جندي إضافي، مع وحدات من مشاة البحرية وقوة بحرية تضم نحو 3 آلاف و500 عنصر، وتخطط لرفع العدد إلى 10 آلاف جندي إذا توسعت العمليات مستقبلاً، ما يمنح القيادة الأميركية قدرة عالية على الردع والاستجابة دون الانزلاق إلى مواجهة برية واسعة.

هذا الانتشار يعكس إدراك واشنطن لطبيعة الحرب: نزاع متعدد الجبهات لا يمكن حسمه بضربات جوية محدودة.

إسرائيل شنت أكثر من 140 غارة جوية دقيقة على أهداف إيرانية منذ نهاية فبراير، لكنها عطلت نحو ثلث القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية، ما يجعل الهجمات تكتيكية فعّالة لكنها غير حاسمة استراتيجياً.

على الأرض، وسعت إيران نطاق المواجهة عبر أذرعها.

حزب الله يضغط على الجبهة الشمالية لإسرائيل، بينما دخل الحوثيون في اليمن الحرب بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة باتجاه أهداف إسرائيلية.

في العراق، تواصل الفصائل المرتبطة بطهران تنفيذ ضربات ضد المصالح الأميركية والإسرائيلية؛ مما يوسع جبهة القتال ويفاقم من التعقيد العملياتي.

الخسائر العسكرية الأميركية تتسع، إذ بلغ عدد القتلى 13 جندياً أميركياً، مع أكثر من 300 جريح نتيجة هجمات صاروخية وطائرات مسيرة على قواعد وتمركزات القوات في المنطقة، ما يضيف تكلفة بشرية وسياسية كبيرة للعمليات.

البعد الاقتصادي للصراع يزداد حدة.

مضيق هرمز يظل تحت تهديد محتمل من إيران، ما رفع أسعار الطاقة وأحدث اضطرابات غير مسبوقة في الأسواق العالمية .

تهديد باب المندب عبر الحوثيين زاد من تعقيد حركة التجارة البحرية الدولية، وجعل الاستقرار الاقتصادي مرتبطاً مباشرة بمسار النزاع.

السياسات الداخلية الأميركية تتأثر أيضاً. استطلاعات الرأي أظهرت تراجع شعبية الإدارة بسبب كلفة الحرب المتصاعدة، بينما تتنافس قيادات حزبية على تحديد استراتيجية التعامل مع إيران، ما يعكس انقسامات واضحة حول مسار العمليات العسكرية والسياسية.

الجهود الدبلوماسية الإقليمية مستمرة، خصوصاً عبر محادثات في باكستان تشمل السعودية وتركيا ومصر، لكنها تصطدم برفض طهران لأي وقف لإطلاق النار من دون تحقيق شروطها، ما يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أمراً صعباً في المدى القريب.

رغم أن أطراف الحرب تمتلك القدرة العسكرية وجزءاً من النفوذ الاستراتيجي، لكن لا يبدو أن أحداً سيحقق انتصاراً حاسماً في المدى المنظور .

إذاً ستستمر المواجهة ضمن توازن استنزاف يضغط على الاقتصاد والأسواق والتوازنات السياسية، دون أن يتحول إلى توازن حسم قابل للتثبيت في أفق زمني قصير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع