مقالات

حين تَفعلُ منظومة التشويش العليا فِعلَها؟! (3)

الجميل الفاضل

الناسُ في لُجَّة هذه الحروب غَرْقَى.
لا لأن الدم أو الماءَ عميق، بل لأن البصرَ قصير.
يقفون عند الأثر، ولا ينفذون إلى المُؤثِّر.

ينظرون إلى الأيدي، ولا يرون مَنْ أقام فيها الإرادة.
يتعلقون بأوهى خُيوطٍ لا زالت تتلاعب بها الريح، في إيران وأوكرانيا، وفي السودان ولبنان والعراق واليمن وغزة.

هذا هو الواقع الذي يُدار من تحت سماء هذه «المقادير»، التي تُكتب الآن بمدادٍ أحبارُه سرِّيَّة، لا تُبدي خطوطَها ومنعرجاتِها إلا بعد سطوع شمس نفاذها الكامل.

ميكانيزماتها تَدفعُ، كلَّ مقدورٍ — حربًا أو سلمًا — إلى أحضان القدر الذي ينتظره «تسليمًا وتسلُّمًا»، في عين مكانٍ لا يتغيَّر، وزمانٍ لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، كما يُستنبط من قول ربِّ العزَّة:
﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
ثم على قِرارِ لمحةٍ أخرى ذات مغزى مختلف، يقول سبحانه وتعالى:
﴿وَإِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
ولكي يقضي الله أمرًا كان مفعولًا بالحتم والضرورة، فإنه يعرض كذلك مثل هذا النموذج المغاير والمحفِّز للمواجهة في ذات الوقت:
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾
إنها حقائق عميقة يمكن أن تُستشفَّ، لقضاء أمرٍ لا محالة هو كائن: يحيا من حيَّ بعده على بيِّنة، ويهلك من هلك فيه عن بيِّنة.

حقائق تكشف عن وجود آليات دقيقة لإفراغ النفوس من داخلها، توطئةً لملئها بما تجري به هذه المقادير ذاتها لبلوغ مرادها، قبل الربط عليها برباط وثيق، على نحو هذا الوحي التخاطري المدهش المؤكَّد بقوله تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
أو كما جرى لتحقيق غايتي الإفراغ والربط، وفق قوله تعالى:
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا﴾
﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾
إنها لحظاتٌ لا تتكرَّر في التاريخ كثيرًا.

«إذ أنتم…» لا صدفة،
«وهم…» لا اتفاق،
ولكن «ليقضي…»،
هذا هو السرُّ: يُريك قليلًا ليُقدِم، ويُريك كثيرًا ليحجب، يُقلِّل هذا في عين ذاك، ويُعظِّم ذاك في وهم هذا، حتى يقع الأمرُ لا كما ينبغي أن يُرى، بل كما يُراد له أن يكون.

تُفرغ القلوبُ إلى أن لا يبقى فيها سوى الامتثال،
ثم تُربط، حتى تثبت عند هذا الحال على هذا المنوال:
«وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا…»
فراغٌ من كلِّ شيء، إلا من القبول والاستعداد.
«لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا…»
ربطٌ من كلِّ حجمٍ ونوع، بلا زيغٍ ولا طغيان.

هكذا يمضي هذا الطريق:
تفريغٌ، فربط.. حيرةٌ، فبصيرة.. غيبٌ، فظهور.
تُضلُّ فيه الأبصارُ لتُبصر القلوبُ، وينكسر فيه الظاهرُ ليضيء الباطنُ، قبل أن يتجمَّع فرقاؤهُ شيئا فشيئا، كالسحب ذرَّةً ذرَّةً، على موعدٍ خفيٍّ مع القدر، لا فاعلَ فيه إلا هو، ولا أمرَ إلا أمرُه،
أمرٌ، هيهات أن يُري قبل أوانه، أو أن يُعلم دون تمامه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع