تقارير

“مافيا الأراضي”… التزييف يطعن السودانيين في زمن الحرب

مشاوير - تقرير: جمال البدوي

يواجه السودانيون الغائبون كابوساً جديداً وتتناوبهم المخاوف بأن تكون مخالب “مافيا الأراضي” قد طاولت منازلهم، بعدما قامت ببيع عشرات العقارات عبر مستندات مزيفة، مما شكل تهديداً لكثير من الأحياء السكنية في العاصمة السودانية.

فوق مواجع وجراح التشرد تجتاح السودانيين الغائبين عن الديار خلال سنوات النزوح أو اللجوء حال من القلق والهلع والهواجس. وبات كل غائب يعتزم العودة يتخوف من أن يكتشف أنه لم يعد يملك منزله الذي فر منه منذ أشهر الحرب الأولى، ويتهيأ بعضهم لمعركة قانونية طويلة ومعقدة تنتظره حين العودة لإعادة إثبات ملكيته لمنزله من جديد، ومنهم من حالفه الحظ باكتشاف الاحتيال في مراحله الأولى وقبل إتمام عملية البيع.

واقع مخيف

أفرزت الحرب المستمرة في السودان منذ ثلاث سنوات وتقرع الآن على عتبات دخول سنتها الرابعة واقعاً مخيفاً ومشوشاً في شأن سجلات الأراضي القومية، وبخاصة بعد احتراق وفقدان سجلات الأراضي داخل عدد من الولايات والمحليات وبخاصة العاصمة الخرطوم، مما فتح الأبواب أمام عصابات وشبكات سرقة الأراضي عبر التزوير والاحتيال والنصب.

وتضم “المافيا” سماسرة ومحامين وآخرين تخصصوا في تزوير سجلات الأراضي تحت غبار المعارك وفوضى الحرب وغياب الملاك، لا سيما بعد تعرض سجلات الأراضي في عدة مكاتب بولاية الخرطوم للتلف والحريق، بينما بدأت السلطات المتخصصة بولاية الخرطوم في التحرك لكبح جماح هذه المافيا باتخاذ إجراءات قانونية عاجلة لحماية أملاك وحقوق المواطنين، وسط مخاوف كبيرة لدى السكان من فقدان ملكياتهم من منازل أو المحال التجارية.

ولايات أخرى

 لم تقتصر عمليات الاحتيال والاستحواذ على ولاية الخرطوم والملكيات الخاصة من منازل المواطنين ومتاجرهم فحسب، لكنها امتدت بظهور شكاوى من عمليات تزوير في سجلات الأراضي بولايات وسطية أخرى، وطاولت أيضاً بعض الملكيات أو الميادين العامة، مما دفع سلطات تسجيلات الأراضي إلى نشر تحذيرات جدية للمواطنين من انتشار جرائم تزوير توكيلات وشهادات الملكية بغرض البيع.

على نحو متصل يوضح الناشط الحقوقي إيهاب الأمين أن هناك مخاوف كبيرة وسط السكان من فقدان ملكياتهم من منازل ومحال تجارية، بعد تفشي ظاهرة تزوير أوراق الأراضي الخاصة بالمواطنين وبخاصة المنازل الفارغة حتى الآن من السكان، حيث يستغل بعض المحتالين غياب الملاك، خصوصاً المغتربين أو النازحين للخارج، والقيام بتزوير توكيلات شرعية بغرض الحصول على حق التصرف في العقارات المستهدفة.

ثغرات وهشاشة

يشير الأمين إلى أن هناك قصصاً لملاك عادوا ليفاجأوا باختفاء أوراق ملكية منازلهم مع محتويات البيوت التي تعرضت للنهب والسرقة الشاملة، ويجري استخدامها في عمليات بيع مزورة، مطالباً السلطات بسرعة التدخل والتحرك لحماية أملاك المواطنين ووضع حد لتلاعب سماسرة الأراضي وشبكات التزوير، واستعادة الثقة في الأجهزة العدلية والإدارية المنوط بها حفظ سجلات أراضي المواطنين وحمايتها من التغول والسرقة.

ونوه الناشط الحقوقي إلى وجود ثغرات ونقاط ضعف في النظام الإداري والقانوني تستغلها “مافيا الأراضي” في ولاية الخرطوم، وهو ما يمثل اختلالات تراكمت وتفاقمت عقب نشوب الحرب وتداعياتها الأمنية والاقتصادية والإنسانية وضعف أجهزة الدولة بصورة عامة، وأبرز مواطن الخلل تتمثل في هشاشة نظام تسجيل العقارات وضعف الحوسبة، بينما لا يزال الاعتماد كبيراً على المعاملات الوقية في حفظ السجلات، مما خلق بيئة ملائمة تسهل التلاعب بالسجلات وتزوير مستندات الملكية.

احتجاجات وقرارات

خطورة التوكيلات

يشير الناشط الحقوق إلى أن نظام البيع عبر التوكيل الصادر من المالك إلى الموكل الذي يخول للأخير التصرف في الأرض بالبيع من أخطر الأدوات المستخدمة، إذ أصبحت التوكيلات المزورة الوسيلة الأكثر شيوعاً في حالات البيع غير القانوني، إلى جانب عدم التدقيق في هوية مدعي ملكية الأرض، لعدم وجود نظام البصمة البيومترية.

ويتابع الأمين قوله “إن تدمير أو فقدان الأرشيف في بعض مكاتب الأراضي بعد احتراقها يجعل التحقق من الملكية الأصلية أمراً صعباً ويجعل التزوير أسهل من الإثبات الحقيقي، كما أن بطء وتعقيد التقاضي والقضايا والوقت الطويل الذي تستغرقه يمنح المجرم فرصة للاستفادة من عامل الزمن لبيع العقار مرة ثانية أو حتى تغيير وضعه القانوني”.

السلطات تتحرك

في أعقاب زيادة جرائم الأراضي وتعدد شكاوى المواطنين من الاستيلاء على أراضيهم من طريق التزوير والتقارير التي تؤكد تنامي النشاط المحموم لـ”مافيا الأراضي” والشبكات الإجرامية في تزوير أوراق الملكية لمنازل في أحياء الخرطوم المختلفة، قام والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة بزيارات ميدانية إلى وزارة التخطيط العمراني ونيابة مخالفات الأراضي، أكد خلالها بصرامة ضرورة إغلاق كل الثغرات القانونية التي تنفذها تلك العصابات وتتمكن من خلالها من التصرف في أراضي الغير بصورة فورية.

تشديد وإحكام

شدد حمزة على أن المرحلة الحالية لا تحتمل أي تهاون مع الفاسدين، مبيناً أن الحكومة وضعت آلية محكمة لإعادة فحص ملفات الملكية وتدقيق المستندات الرسمية، لقطع الطريق أمام عمليات البيع غير القانوني وحماية حقوق المواطنين المهجرين قسرياً من منازلهم.

وأعلنت الوزيرة المكلفة وزارة التخطيط العمراني وجدان إبراهيم مصطفى أن الوزارة تعمل حالياً على حصر التجاوزات التي حدثت خلال فترة الحرب، تمهيداً لإبطال أي عقود بيع أُبرمت عبر التزوير وإحالة المتورطين إلى القضاء، فضلاً عن اتخاذ إجراءات احترازية مشددة لمنع أي تلاعب في السجل الرقمي والورقي للأراضي.

وقف البيع

وأصدر المسجل العام للأراضي في السودان قراراً يمنع التصرف بالبيع أو أي تصرف ناقل للملكية في الأراضي التي تم إحياء سجلاتها بعد تلفها بسبب الحرب، وذلك لمدة ستة أشهر من تاريخ إحياء السجل للقطعة.

ولفت وكيل نيابة مخالفات الأراضي عماد عبدالرحمن إلى تصاعد كبير في بلاغات جرائم تزوير الأراضي وصلت مرحلة تزوير توكيل باسم مواطن مات قبل 20 سنة بِيع بموجبه منزله، مشيراً إلى أن الوضع يتطلب إجراءات مشتركة بين مسجل عام الأراضي ومصلحة الأراضي والسجل المدني ونقابة المحامين، واعتماد الرقم الوطني كمستند أساس في إجراءات بيع وشراء الأراضي، وضرورة توعية المواطن بالحفاظ على أرضه من طريق الحجز الشخصي.

احتجاجات المواطنين

استغلال الفوضى

من جانبه يوضح المحامي الجنائي والمستشار القانوني السموءل إبراهيم الدسوقي أن القانون السوداني للأراضي يقوم تاريخياً على ثلاث فئات رئيسة، هي الأراضي المسجلة التي تخضع لقانون تسجيل الأراضي لعام 1925، وكذلك الأراضي غير المسجلة (الحيازة التقليدية وأراضي الدولة)، ونشأت “مافيا الأراضي” بعد الحرب بما يشير إلى شبكات تستغل الفوضى الأمنية والقانونية للاستيلاء على الأراضي والمنازل أو إعادة بيعها بوثائق غير قانونية مستغلة انهيار مؤسسات الدولة، والنزوح الجماعي واستغلال النفوذ والفساد.

يلفت الدسوقي إلى أن من الإشكاليات القانونية الرئيسة والمعقدة المتوقع أن تفرزها هذه الأزمة هي تضارب السندات القانونية بظهور عدة عقود لنفس قطعة الأرض، إلى جانب صعوبة الإثبات بسبب فقدان المستندات ووفاة الشهود أو تدمير السجلات.

عواقب وحلول

لذلك ووفق المستشار القانوني، إذا لم تحل مشكلة الأراضي بعد الحرب ستترتب عليها عدة آثار قانونية وسياسية، قد تؤدي إلى موجة نزاعات قضائية ضخمة قد تستمر عقوداً وقد تسهم في تعطيل إعادة الإعمار والاستثمار لأن المستثمر يحتاج ملكية واضحة، محذراً من أن أزمة مافيا الأراضي في السودان ليست مجرد مشكلة عقارية بل قضية دولة وقانون، وإذا لم تعالج بآليات قانونية واضحة بعد الحرب فقد تتحول إلى أكبر أزمة قانونية واجتماعية في السودان خلال العقود المقبلة.

وفي شأن الحلول القانونية، يرى الدسوقي أن هناك عدة آليات مقترحة لمعالجة أزمة الأراضي الراهنة، منها إنشاء محاكم خاصة بالأراضي تختص حصرياً بالنزاعات العقارية بعد الحرب، وإعادة بناء السجل العقاري من خلال رقمنة الملكيات وتوثيقها مركزياً، وعمل لجان تسوية ومصالحة للنزاعات التي تجمع بين القانون والأعراف القبلية والعمل على تجميد التصرفات العقارية موقتاً، حتى تُراجع الملكيات ويُمنع البيع المزور إضافة إلى قانون للعدالة الانتقالية للأراضي.

سلعة أم خدمة

بدوره، يرى المحامي في مجال حقوق الإنسان المعز حضرة أن ظاهرة شبكات “مافيا الأراضي” قديمة، إذ بدأت مع انقلاب الإسلاميين عام 1989 ومجيء حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير التي حولت الأراضي من خدمة إلى سلعة، بعدما ظلت طوال عهود الحكومات التي سبقتها تعامل كخدمة، غير أن رموز حكومة الإسلاميين حولوها إلى سلعة نادرة وغالية الثمن، إذ كانوا يتبارون في حيازة وامتلاك أكبر عدد من قطع الأراضي، وجلبوا أموالاً كثيرة من دول الخليج ضُخت في شراء الأراضي فارتفعت أسعارها بجنون، هذا هو المرض وما يحدث الآن هو العرض، مضيفاً “هذه هي الأسباب الحقيقية وراء ظاهرة مافيا الأراضي”.

فساد وغسيل

ويضيف حضرة “نتيجة تعامل الحكومة مع الأرض كسلعة، دخلت كثير من الأموال المشبوهة إلى الاقتصاد السوداني بهذا المدخل الفاسد، ونشأت بالتالي عمليات ضخمة لغسل الأموال، لذلك فإن المعالجة لا يجب أن تتجه للظاهرة كعَرض من دون المرض نفسه، أما في شأن الواقع حالياً لحقوق المواطنين ومنازلهم، فالحل في إيقاف كل المعاملات والإجراءات والتصرفات الناقلة لملكية الأراضي حتى تنتهي الحرب، ويُعاد ترتيب السجلات من جديد مرة أخرى”.

الشق الآخر للقضية هو الفساد الحكومي المستشري وسط موظفي الخدمة المدنية في قطاع الأراضي، وبخاصة بعدما أصبحت مصدراً سريعاً للثراء، وبخاصة بعدما عادت الخدمة المدنية من جديد إلى أيدي موظفين فاسدين من المنتمين لحزب البشير، الذين أبعدتهم لجنة إزالة التمكين في محل الشرفاء وأصحاب الخبرة، مما جعل الفساد يستشري كجزء من دولة حزب “المؤتمر الوطني”.

مفوضية الاراضي

نصائح قانونية

ويرى قانونيون أن استعادة منزل أو أرض بيعت بالتزوير في الخرطوم أمر ممكن من الناحية القانونية، لكن صعوبته تكمن في طول الفترة الزمنية التي يستغرقها ذلك، خصوصاً في ظل تعقيدات الحرب المستمرة.

ينصح القانونيون بأن تكون أولى الخطوات الخاصة بالاستعادة هي قضية بإثبات المتضرر أنه المالك الأصلي، ولابد له في ظل ضياع السجلات من جمع أي دليل يثبت ملكيته، حتى لو صورة من شهادة الملكية (البحث) أو عقد بيع قديم أو إيصالات سداد للرسوم أو الضرائب وفواتير خدمات (الكهرباء والمياه) ثم شهود من الجيران أو اللجان الشعبية بالحي كأدلة غير مباشرة مهمة، ثم الطلب من المحكمة إصدار أمر منع بيع أو رهن لإيقاف التصرف في العقار مرة أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع