حوارات

آن الصافي في ضيافة (مشاوير) : السودان الذي أحمله أبعد من الجغرافيا وأعمق من الحنين

أبحث عن كتابة تتجاوز لحظتها وتحاور العلم وقضايا العصر

الثقافة السودانية قادرة على مقاومة الحرب وحماية الذاكرة والتنوّع

مشاوير – حاورها : مجدي علي

تجمع الكاتبة والروائية والإعلامية آن عادل يس حاج الصافي بين تكوين علمي في هندسة الكمبيوتر وثقافة أدبية وفكرية واسعة، تتجاور فيها دقة المعرفة التقنية مع حساسية السرد والانتباه إلى التفاصيل الإنسانية وما تنطوي عليه من دلالات. تخرّجت في جامعة شرق البحر المتوسط، وعملت لسنوات في مجال الهندسة، وعاشت تجربة الاغتراب بين كندا والإمارات، كما تخرّجت في أكاديمية الشعر بأبو ظبي. وهي الآن منسقة ثقافية في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، فرع أبو ظبي، وعضوة في مؤسّسة بحر الثقافة، ومحاضرة ومُدرّبة في مجال الإدارة والتنمية البشرية، ونجمة من نجوم الإعلام هناك.

يمتد منجزها بين الرواية والقصة والمقالة الفكرية، من (فُلك الغواية) و(جميل نادوند) و(توالي) إلى (كما روح) و(مرهاة) و(خبز الغجر) و(المشي على الزجاج)، فضلاً عن روايتها لليافعين (آكينوش)، ومجموعتها القصصية (المسائل)، التي نالت بها المركز الثاني في جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي عام 2022. وفي روايتها التفاعلية (في حضرتهم)، التي كتبتها بالاشتراك مع الروائي المغربي عبد الواحد استيتو، تختبر إمكانات السرد الرقمي، فيما يشكّل مشروعها الفكري (الكتابة للمستقبل) مساحةً لقراءة الحاضر في ضوء تحوّلات العلم والتكنولوجيا، وأسئلتهما عن الإنسان والهوية ومآلات الإبداع.

في حوارها مع (مشاوير)، تتوقّف آن الصافي عند منابع تجربتها، وعلاقة التكوين العلمي بالبناء السردي، ومستقبل الكتابة في زمن الذكاء الاصطناعي، قبل أن تعود إلى السودان بوصفه ذاكرةً ثقافية وإنسانية تتجاوز الحنين، وتواجه أسئلة الحرب والتنوّع ومصير الثقافة. وفي إجاباتها تتشعّب الخيوط وتتداخل التفاصيل، على نحو يكشف عن تجربة لا تُختزل بسهولة، ولا تستنفدها مساحة واحدة؛ فثمّة دائماً ما يبقى بين السطور، حيث تبدأ أسئلة أخرى وتواصل القراءة طريقها.

كان والدكِ يناقشكِ باستمرار في الأدب والتاريخ والسياسة، لكنه لم يعرف حتى رحيله أنكِ تكتبين. أيّ حكاية من أعمالكِ تتمنين لو أتيح له أن يقرأها؟

ربما كنت سأختار رواية (المشي على الزجاج)؛ ففيها تقاطعات كثيرة جمعتني بوالدي، حتى ليبدو لي أن بعض صفحاتها كُتبت من أثر أحاديثنا الطويلة. فيها شمبات، حيث وُلد وعاش طفولته وبدايات شبابه، وأبو ظبي التي سكناها، والخرطوم التي أحب أن أسميها (سنبلة المدائن)، وأرض النيلين بأمطارها وفيضاناتها، وصحراء الإمارات بكثبانها وشجرة القاف ونجومها. وتتقاطع فيها أسئلة البيئة والسدود والثقافات الأصيلة، وتمتد الذاكرة إلى أهرامات مصر والبركل ومرجان البحر الأحمر. أظن أن مداد قلمي يخالط شيئاً من روحه كلما كتبت. عليه الرحمة والمغفرة.

تركت جدتكِ التي ترمّلت شابة ورفضت الزواج أثراً عميقاً فيكِ. كيف انعكس حضورها في كتاباتكِ؟

لم تتسلّل جدّتي إلى شخصية بعينها، بل إلى عيني التي أرى بها الحكاية. كانت تحكي الأساطير وتفاصيل زمن لم أعشه، وتحمل في ذاكرتها أسراراً من الثقافة السودانية بتنوّعها وعراقتها. رأيتها سيدة النساء، ملكة متوّجة بأخلاقها وقيمها؛ ومن خلال مسيرتها، بما حملته من نعيم ومعاناة، تعرّفت إلى حكايات إنسانية تركت في ذاكرتي شخوصاً وأمكنة وقضايا. كما عرّفتني إلى سيدات من جيلها واصلن معي الحكاية، فرأيت من خلالهن كيف تعيش القيم والأصالة والنبل في التفاصيل، وكيف تتجاور الحضارات والعادات والحداثة ويؤثّر بعضها في بعض عبر الأجيال. لذلك، حين أكتب عن الإنسان والمكان والذاكرة والموروث، لا تظهر جدّتي في السطور كشخصية، بل تجلس خلفها كراوية أولى وتتركني لأكمل الحكاية.

درستِ هندسة الكمبيوتر، ثم اتجهتِ إلى الكتابة ومشروع (الكتابة للمستقبل). كيف أسهم تكوينكِ التقني في تشكيل رؤيتكِ الأدبية؟

لم أسعَ إلى التفرّغ الكامل للكتابة؛ لكنني وجدت نفسي أتجه إليها من تلقاء نفسي. وحين وجدت نفسي أمام سؤال: هل يكفيني أن أروي الحكايات؟ عادت المهندسة لتجلس إلى جوار الكاتبة. اتسعت الكتابة عندي إلى الفكر والثقافة وقضايا العصر، ضمن مشروع (الكتابة للمستقبل)، إيماناً بأن للكلمة أهدافاً تتجاوز لحظة كتابتها، وأن الأدب يستطيع محاورة العلم، وأن قضايا العصر وأدواته يمكن أن تحضر في السرد والنثر والكتب الفكرية والثقافية. اسم المشروع ما زال (الكتابة للمستقبل)، أما (الإبداع للمستقبل) فهو تعبير عن رؤيتي لما ينبغي أن تكون عليه الكتابة التي تحمل هذا الاسم. ليس كل إبداع صالحاً للمستقبل؛ إذ يحتاج إلى الابتكار وأفق التجاوز، لا تكرار ما سبقه. الإبداع الحقيقي يتجاوز عصره وتظل جمالياته وأسئلته قادرة على مخاطبة أجيال لم تأتِ بعد، كما في (دون كيخوته) لسرفانتس و(العمى) لجوزيه ساراماغو. لم يتغير اسم المشروع، بل اتسعت مسؤوليته: أن نكتب للحاضر بعين ترى الغد، ونبدع بما يستطيع العبور إليه.

في روايتكِ التفاعلية (في حضرتهم)، تناولتِ علاقة الإنسان بالآلة. كيف ترين مستقبل الكتابة مع دخول الذكاء الاصطناعي؟

ربما كان السؤال الذي تركته لي (في حضرتهم): هل تقع حياتنا في مختبر علمي؟ ليس بمعنى أن أحداً يضع الإنسان على طاولة التجربة، بل لأن العلم والتقنية يعيدان تشكيل تفاصيل حياتنا اليومية وذاكرتنا وعلاقاتنا وطريقة تفكيرنا في أنفسنا. جاءت أسئلة الرواية التفاعلية والبقاء وعلاقة الإنسان بالآلة امتداداً لمحاور (الكتابة للمستقبل)، ومنها (أنسنة الآلة وأتمتة الإنسان). فالآلة تقترب من الإنسان، والإنسان يزداد اعتماداً عليها، وبين هذين المسارين يظهر السؤال الأصعب: ماذا يبقى لنا؟ دور الأدب أن يسبق الإجابة بالسؤال، ويضع أمام الإنسان مرآة يرى فيها ما قد يصبح عليه.

لا يشغلني كثيراً سؤال: هل تستطيع الآلة أن تكتب؟ فالإجابة تتغيّر مع تطوّر قدرتها. ما يشغلني هو ما يفعله الإنسان حين تصبح الكتابة مجالاً تتشارك فيه القدرات البشرية والآلية، وهل نستخدم الآلة أداة للتوليد والتجريب كما استخدمنا أدوات وسّعت قدرتنا على التعبير. تستطيع الآلة معالجة كم هائل من المعارف والأنماط، بينما يحمل الإنسان التجربة والذاكرة والحساسية والاختيار، والأهم مسؤولية المعنى. الذكاء الاصطناعي ليس نهاية الكاتب ولا خلاصه، بل اختبار لتعريف ما يضيفه الإنسان حين تستطيع الأداة إنتاج الكثير.

يرى بعضهم أن مشروعكِ يستشرف تحوّلات الكتابة قبل اكتمال أدواتها. إلى أي مدى استطاعت (الكتابة للمستقبل) تحقيق طموحكِ؟

الكتابة للمستقبل ليست كتابة عن الغد بقدر ما هي وعي بحركة الزمن وقراءة الحاضر في ضوء تحوّلاته واحتمالاته، وبأثر العلم والتكنولوجيا في الإنسان والمجتمع والثقافة والمعرفة. ولأن المستقبل يحدث في كل لحظة، تظل هذه الكتابة متجدّدة؛ فهي لا تكتفي بوصف الوقائع، بل تقرأ دلالاتها وتفتح أسئلة لم تكتمل ملامحها، وتتحرك بين المعرفة والخيال ورصد الواقع واستشراف الممكن. طموحي أن تظل (الكتابة للمستقبل) قابلة للاختبار في كل زمن، لا منافسة للزمن، بل وعياً به.

ما الشرارة الأولى التي توقظ فيكِ الرغبة في الكتابة وتدفعكِ كل مرة إلى بدء عمل جديد؟

لا تأتي الشخصية دائماً أولاً، ولا الفكرة منفردة، ولا السؤال بمعزل عنهما. غالباً يبدأ العمل بموضوع يتشكّل من القراءة والمشاهدة وتفاصيل الحياة، وقد تكون الشرارة مشهداً أو موقفاً أو فكرة عالقة تكشف عالماً أكبر. بعدها يأتي من يحمل السرد؛ فلكل موضوع شخوصه وبيئته وأماكنه وتفاصيله، والمكان ليس خلفية محايدة، بل جزء من المعنى. تتشكّل خشبة المسرح في ذهني، لكن إضاءتها الحقيقية هي الأسئلة؛ فكلما تقدّمت الكتابة ظهر سؤال وتناسَل منه آخر، وقد يقودني إلى منطقة لم أخطط لها. أجمل علامة على اكتماله أن يترك سؤالاً جديداً، لا نصاً مغلقاً.

قلتِ إن القارئ عنصر في النسيج السردي وليس مجرد متلقٍ. كيف أسهمت خبرتكِ الإعلامية في تشكيل هذه الرؤية؟

تغيّر القارئ وتغيّرت علاقتي به، وكان عملي في الإعلام أحد العوامل التي زادت وعيي بذلك. تعلّمت أن الكلمة لا تنتهي عند نشرها، وأن المتلقي ليس مساحة فارغة، بل يحمل ذاكرته وتجربته وأسئلته وقدرته على القبول والمساءلة والتأويل. قارئ اليوم يقرأ ويشاهد ويسمع ويقارن، ثم يعيد إنتاج ما تلقاه في تعليق أو رأي أو صورة أو حوار؛ وقد وفّرت له التكنولوجيا أدوات لم تكن متاحة سابقاً، وسط تدفّق معلومات وتجارب من أنحاء العالم. لم أعد أضع القارئ أمام النص، بل أترك له مكاناً في نسيجه، لأن قيمة النص في قدرته على توليد المعنى وتعدّد القراءات.

في (مرهاة) اشتغلتِ على تزييف التاريخ ومحو الذاكرة. كيف تستطيع الرواية مساءلة الماضي وكشف ما غُيّب منه؟

الكتابة عن تزييف التاريخ تشبه دخول حقل ألغام؛ فهي تضع الكاتب أمام أسئلة: ما الحقيقي والمزيف؟ كيف وقع التزييف ومتى ولماذا؟ من استفاد من بقاء رواية معينة، ومن غُيّب صوته؟ فالذاكرة ليست سجّلاً محايداً، والتاريخ الذي يصلنا ليس دائماً صورة مكتملة، بل يتأثّر بمن امتلك سلطة التوثيق والحفظ وتحديد ما يستحق البقاء. لذلك لم أتعامل مع (مرهاة) باعتبارها محكمة تصدر حكماً نهائياً، بل مساحة للسؤال والمساءلة والاقتراب من الحقيقة عبر طبقات الذاكرة والرواية. لا تستطيع الرواية استعادة كل ما مُحي، لكنها تطرق الأبواب المغلقة وتسأل عن الأصوات الغائبة.

وفي (كما روح) كسرتِ نمطية الزمان والمكان. كيف تختارين التقنية السردية التي تناسب كل عمل؟

لا أتعامل مع الابتكار بوصفه اختراع تقنيات سردية من العدم؛ فمعظمها متراكم في التجربة الأدبية. يكمن التجديد في طريقة استخدامها وتركيبها من نص إلى آخر، بحيث يجد كل عمل أداته الملائمة لفكرته وشخصياته وزمنه ومكانه. لا أبدأ النص بحثاً عن تقنية مختلفة لمجرد الاختلاف، بل أترك طبيعته تقودني. في (كما روح)، جاء تداخل الأزمنة والحكايات المتوازية استجابة لبنية العمل وما أراد كشفه، لا رغبة في كسر النمط لذاته. الابتكار الحقيقي أن يعرف الكاتب متى يستخدم الأداة وكيف يشكّل حضورها ولماذا يحتاجها النص تحديداً؛ عندها يصبح التجديد جزءاً طبيعياً من الكتابة.

كيف تنظرين إلى علاقة الجوائز بقيمة الكاتب وحضوره في وطنه؟

الجوائز ليست هدفاً للمبدع، لكنها احتفاء بجهده وعمله، وقد يمتد التكريم إلى المشروع كله. وأثرها يتجاوز الجانب المعنوي والمادي إلى تقريب العمل من القارئ والمشهد الثقافي عبر الحضور الإعلامي. لم أتعامل مع مشروعي بحثاً عن الجوائز، بل سعيت إلى تراكم التجربة نصّاً بعد نص. وكانت جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي ذات مكانة خاصة لأنها جاءت من الوطن الأم، وشعرت بأنها تكريم للعمل وامتداد لمسار سنوات. وأجمل ما أحمله من التكريم شعور متزايد بالمسؤولية تجاه الأعمال التي لم تُكتب بعد.

رفضتِ اختزال إبداع المرأة في “الكتابة النسوية”. هل غيّرت الحرب شيئاً في رؤيتكِ لمعايير الإبداع؟

ما زلت عند موقفي، وربما أضاف الواقع إليه بعداً إنسانياً أوسع دون أن يغيّر جوهره. أؤمن أن للمرأة والرجل مكانة ودوراً في الوطن، وأن قيمة الإبداع لا تتجزأ بحسب الجنس. كشفت الحرب أعباء مضاعفة تتحمّلها النساء، من رعاية الصغار والكبار والبيت إلى محاولة العمل والتعلّم وحفظ تماسك المجتمع، دون أن ينتقص ذلك من أدوار الرجال في المواجهة وتحمّل المسؤوليات. لكنني أفصل بين دور الإنسان ومعيار تقييم النص. حين أقرأ عملاً، أسأل عما قدّمه من فكرة وابتكار ولغة وبنية، لا عن جنس كاتبه. المطلوب توسيع نظرتنا إلى التجربة الإنسانية، ثم ترك النص يتحدّث عن قيمته.

كيف حافظتِ على حضور “آن الصافي السودانية” في تجربتكِ بالاغتراب، وكيف انعكس ذلك على مشروعكِ الأدبي؟

الهجرة تجربة لا تختزل في معنى واحد؛ قد يغادر الإنسان بحثاً عن فرصة، أو تدفعه الظروف إلى الرحيل، وقد يجد في المكان الجديد ما يوسّع أحلامه، فيما يحمل آخر وجعاً لا تخفّفه المسافة. لا يُقتلع الوطن الأول بسهولة، لأنه ليس مكاناً فقط، بل ثقافة ولغة وذاكرة وتفاصيل وذائقة تشكّلت فينا. قد تتغير الجغرافيا وتدخل تجارب جديدة، لكن ذلك لا يلغي الجذر، وربما يجعله أوضح من مسافة. لا ينبغي أن تظل الكتابة عن الوطن من الخارج أسيرة الحنين؛ فالمسافة تتيح رؤية التفاصيل ومقارنتها وإعادة اكتشافها ضمن سياقات أوسع. “آن الصافي السودانية” ليست خارج المشروع؛ إنها في جذره. السودان بالنسبة إليّ ثقافة ولغة وذاكرة ومرجعيات جمالية وإنسانية حملتها معي، وما زالت تؤثّر في رؤيتي للإنسان والعالم والكتابة. لكن الإنسان لا يتشكّل من وطنه وحده؛ تصنعه القراءات والعلاقات والتعليم والتجارب والأماكن والناس والفرص والظروف. وسّعت الهجرة تجربتي، ووضعتني أمام ثقافات وبيئات مهنية وإنسانية مختلفة، وأتاحت مساحات للعمل والتعلّم والإبداع ربما لم تكن متاحة بالطريقة نفسها لو بقيت. السؤال الأهم ليس أين تقف (آن الصافي السودانية)، بل ماذا فعلت بكل ما حملته معها: حاولت تحويل الجغرافيا إلى معرفة، والمسافة إلى رؤية، والتجربة إلى كتابة، مع إبقاء الجذر حاضراً في حوار مع ثقافات أخرى.

في ظل الحرب والخراب، ما الذي تحتاج الثقافة السودانية إلى حمايته أولاً لتستعيد عافيتها؟

أعتقد أن الثقافة السودانية، رغم الحرب والخراب والنزوح والتمزّق، ما زالت تملك طاقة كبيرة على المقاومة، والحاجة إليها اليوم أكبر. الثقافة ليست ترفاً يأتي بعد الأزمة، بل وسيلة لحفظ الذاكرة والتنوّع ومعنى الوجود المشترك. التنوّع جزء من طبيعة المجتمع ومصدر قوة، لكنه قد يتحول إلى أداة صراع حين يُستثمر في خطاب الإقصاء والكراهية. ما نحتاج إليه هو استعادة معنى هذا التنوّع ومنع تحويله إلى ذريعة للفرقة. مقاومة الثقافة اليوم هي مقاومة للنسيان والكراهية واختزال الإنسان إلى طرف في صراع. أول ما تحتاج الثقافة السودانية إلى حمايته هو ذاكرتها وتنوّعها؛ فقد يُعاد بناء المكان، لكن فقدان المعرفة والتجارب يجعل إعادة البناء أصعب. الثقافة ليست مباني وكتباً فقط، بل لغة وحكايات وموسيقى وفنون وعادات ومعارف تراكمت عبر الأجيال. لذلك تعني حماية الذاكرة صون الأرشيفات والمكتبات والمخطوطات والأعمال الإبداعية، وتوثيق الرواية الشفاهية والذاكرة الشعبية وسير الأشخاص وتجارب المدن والأقاليم والجماعات. والأمر الثاني حماية التنوّع؛ فالثقافة السودانية ليست صوتاً واحداً، والتعدّد ثروة لا عبء. لا تنهي الثقافة الحرب وحدها، لكنها تحمي الذاكرة واللغة والحوار والقدرة على الاختلاف، وتبقي السؤال مفتوحاً.

هل ترين الكتابة عن الحرب ضرورة في لحظتها، أم أن الأدب يحتاج أحياناً إلى مسافة زمنية لفهم التجربة؟

الكتابة عن الحرب ضرورة حين تنبع من حاجة حقيقية، لكن ذلك لا يعني الاستعجال في تحويل الحدث إلى أدب. هناك فرق بين الشهادة التي تحفظ ما حدث والأدب الذي يحاول فهمه والنفاذ إلى الإنسان والدوافع والتحوّلات والآثار التي قد لا تظهر فوراً. بعض الكتابات تحتاج إلى زمن ومسافة لرؤية المشهد من زوايا مختلفة والخروج من الانفعال إلى التأمّل، فيما قد تكون نصوص أخرى صادقة وهي تُكتب في قلب العاصفة. قيمة النص ليست في أسرع وصول إلى الحدث، بل في بقائه حياً بعد تغيّر عناوينه، وفي تحويل التجربة إلى معرفة لا مجرد تسجيل.

اتسع النشاط الثقافي السوداني في المنافي خلال الحرب. كيف يمكن تحويل هذا الحضور إلى جسر يصل المبدعين في الخارج بالداخل؟

النشاط الثقافي السوداني خارج البلاد لم يبدأ مع الحرب، لكنه أصبح أكثر كثافة واتساعاً، وساعدت بعض البيئات المستقبلة على توفير مساحات للظهور والتواصل. الألم لا يصبح نافعاً في ذاته، لكن الظروف القاسية قد تفتح مسارات غير متوقعة. ظهرت أسماء سودانية على نطاق أوسع ووصلت أعمال إلى جمهور جديد، وكان الحضور المتنامي للسينما السودانية لافتاً؛ إذ أتاحت للمتلقي التعرّف إلى تجارب السودانيين وقضاياهم ورؤية السودان من خلال أبنائه، بعيداً عن عناوين الأخبار وحدها. وظهرت مبادرات جمعت السودانيين من أماكن واختصاصات مختلفة للتفكير والعمل من أجل الوطن، لا لاستعادة الذكريات فحسب. الهدف أن تصبح المسافة جسراً، وأن تتحوّل الذاكرة إلى عمل مشترك يعيد وصل السودانيين.

تكتبين للأطفال واليافعين في زمن الحرب. كيف تساعد الكتابة والفنون هذا الجيل على تخيّل مستقبل مختلف؟

لا ينبغي أن يبدأ الحديث عن هذا الجيل بالحرب وحدها، بل بما يستطيع صنعه رغمها. الطفل الذي وُلد بين ثورة وحرب لم يختر ظروفه، لكنه يملك حقاً في تخيّل مستقبل لا تصنعه صور الخراب فقط. وفي الكتابة للأطفال واليافعين أتعامل معهم شركاء في صناعة المستقبل، لا متلقّين؛ كانت البيئة والاستدامة في (جزيرة توتي) و(أجيال المستقبل) مدخلاً للتفكير في علاقتنا بالمكان وما نتركه للأجيال القادمة، فيما أتاح (جميل نادوند) تناول أسئلة اليافعين ورحلتهم في اكتشاف الذات والعالم. من حقكم أن تسألوا وتختلفوا وتتعلموا وتعيدوا تعريف المستقبل؛ فهو شيء نصنعه كل يوم. علينا أن نثق بقدرة الشباب على كتابة مستقبلهم، وأن نمنحهم الأدوات والخيال والمساحة.

ماذا تتمنين أن يجد القارئ السوداني في كتبكِ بعد خمسين عاماً؟

أريده أن يجد أكثر من حكاية تنتمي إلى زمنها؛ أن يجد إنساناً حاول فهم عصره وقراءة ما حوله بوعي وفضول، وترك أسئلة لا تنتهي بانتهاء اللحظة. أتمنى ألا يقرأ السودان من خلال صورة واحدة، وألا يجدني أسيرة الحرب أو الهجرة، بل أن يرى تنوّعه وثقافاته وذاكرته وأمكنته وأصواته، وكيف يحمل الإنسان وطنه معه ويعيد اكتشافه كلما اتسعت تجربته. وإذا بقي شيء من كتبي حتى ذلك العام، أتمنى أن يبقى فيها أن الإنسان، مهما تغيّرت أدواته وأزمنته وأمكنته، يحتاج إلى الحكاية ليفهم نفسه، وإلى السؤال ليواصل البحث، وإلى الخيال ليرى إمكاناً آخر للحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع