مقالات

سماء السودان المشتعلة!!

أشرف عبدالعزيز

لم تعد الطائرات المسيرة في سماء السودان مجرد أدوات صراع عسكري تدور رحاها في ساحات الوغى البعيدة، بل تحولت إلى كابوس يومي يطارد المواطنين في أحياءهم الآمنة، وينثر الموت والدمار فوق أسطح المنازل والمستشفيات والأسواق.

وفي الوقت الذي تتبادل فيه أطراف الحرب حسابات السيطرة والربح الميداني، يبقى الإنسان السوداني وحده هو الضحية الحية التي تدفع الثمن فادحاً من دمائه ودموع طفولته ومقدرات مستقبله، على وقع حرب قاسية تكاد تأتي على الأخضر واليابس وتذر السودان قاعاً صفصفاً.

لقد باتت الطائرات المسيرة إحدى أبرز أدوات الحرب وأكثرها تأثيراً في العمليات العسكرية الجارية، حيث لم تقتصر خطورتها على استهداف المناطق العسكرية فحسب، بل امتدت آثارها المدمرة لتشمل الأعيان المدنية، مما جعل المدنيين يدفعون أرواحهم ومعيشتهم ثمناً لهذه العمليات.

ويعود تصاعد نشاط المسيرات في الفترة الأخيرة إلى رغبة أطراف النزاع في تحسين مواقعهم العسكرية وفرض معادلات ميدانية جديدة، لا سيما في ظل اتساع جبهات القتال وامتدادها عبر مساحات شاسعة تتطلب أسلحة فعالة قادرة على الوصول إلى كل مكان وتتيح تنفيذ ضربات من مسافات بعيدة، فضلاً عن توفير قدرات استطلاعية متقدمة دون الحاجة لتحريك قوات برية ضخمة.

كما تسعى الأطراف المتنازعة للتاثير على خطوط الإمداد والتحركات العسكرية والبنية التحتية للخصم، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تأثر المناطق المدنية والحيوية وتحول مسار العمليات العسكرية إلى مصدر دائم لمعاناة المواطنين، بينما تكثف إحدى الأطراف ضرباتها بالمسيرات نتيجة معاناتها من ضعف في العنصر البشري في محاولة لتغطية تراجعها الميداني وإثبات وجودها عبر القصف في كل الاتجاهات تحقيباً لمكاسب تفوقية قبيل أي هدنة مرتقبة.

إن الكلفة الإنسانية الباهظة لهذا النزاع الدامي تتكشف بوضوح كلما حلقت مسيرة في الأفق؛ فأرواح الأبرياء تزهق بلا ذنب، والمنازل تحول إلى ركام، والخدمات الأساسية تنهار بشكل مأساوي ينذر بكارثة غير مسبوقة. ويقترن ذلك بتباين واضح بين التحركات الدبلوماسية المتسارعة والميدان العسكري على الأرض، حيث يضغط المجتمع الدولي باتجاه إقرار هدنة إنسانية بينما تراهن أطراف الحرب على حسم الميدان لفرض واقع تفاوضي دون تقديم أي تنازلات، في الوقت الذي حذرت فيه الأمم المتحدة مراراً من خطورة استمرار استخدام المسيرات، مؤكدة أن الضغوط الدولية وحدها لن تفلح في وقف الضربات دون التزامات واضحة وآليات دقيقة لمراقبة التنفيذ، سيما وأن المقترحات المطروحة للتهدئة تصطدم باشتراطات صارمة تتمثل في خروج المسلحين من الأعيان المدنية وتجميع القوات في معسكرات محددة مقابل رفض الطرف الآخر لها مما يضاعف من طريق المسدود.

وأمام هذا المشهد الإنساني المفجع، يبرز المواطن السوداني كضحية وحيدة تدفع الثمن فادحاً جراء استهداف الأعيان المدنية بالمسيرات، في تجاوز صارخ للقانون الدولي الإنساني الذي يلزم جميع المقاتلين بالتمييز الحاسم بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية واتخاذ كافة الاحتياطات الضرورية لحماية المدنيين، ومذكرة بأن استخدام الطائرات المسيرة لا يعفي أي طرف من المساءلة القانونية ويستوجب فتح تحقيقات مستقلة في كل وقائع الانتهاكات.

على المجتمع الدولي، ومجلس الأمن، والفاعلين الإقليميين والدوليين الارتقاء إلى مستوى المأساة الإنسانية في السودان، والانتقال الفوري من دائرة الدعوات العامة للتهدئة إلى خطوات عملية تبدأ فعلاً بالوقف الفوري لاستهداف المدنيين، وتحديد المسؤوليات، ومنع التدخلات الخارجية.

 إن إنهاء مأساة الحرب لا يتطلب مجرد هدنة مؤقتة أو مسكنات هشة، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضع حداً لدموع الإنسان السوداني، وتؤسس لتسوية سياسية شاملة تضع وزر الحرب خلف الظهر إلى الأبد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع