مقالات

وداعاً جوزيف لاقو

عمر الدقير

بعض الناس، حين يرحلون، يعمُّ الحزن عليهم وعلى شيءٍ من البلاد يرحل معهم .. هكذا يأتي رحيل جوزيف لاقو؛ يفتح دفاتر ذاكرتنا المشتركة، بما فيها من إشراقات وأحلام وخيبات، ومودّةٍ وخصومات، ولحظاتِ قربٍ وجراحٍ لم تندمل. ويستحضر وجوه أهلنا على جانبَي الوطن الذي قسّمه اضطرابُ عقلِ السياسة، وبقي تاريخه – بحلوه ومرِّه – جزءاً منّا جميعاً؛ فنحزن على الرجل، ونتحسّر على ما آلت إليه أحوالنا، وعلى ما كان يمكن أن نصنعه معاً.

اختار هو وآخرون حمل السلاح انطلاقاً من قناعاتهم، بعدما رأوا أن سبل إنصاف أهلهم في الجنوب قد سُدّت وأن العهود قد نُقضت. ولكن بقي جديراً بالتقدير أنه ظلّ يميّز بين السلطة التي تمرّد عليها والناس، محتفظاً بصلاتٍ إنسانية مع كافة مكوّنات المجتمع السوداني لم تقطعها الحرب ولا الحدود التي نشأت لاحقاً .. عَبَر ميادين القتال ومواقع السلطة دون أن يفقد بساطته؛ يشهد عليها بيته المتواضع في لندن، ومائدته المفتوحة للزوّار، وألفته مع الناس، يزورهم ويؤاكلهم ويشاركهم الهموم ويبادلهم المودّة.

نودِّع الرمز المخضرم جوزيف لاقو، وفي النفوس غصّة على وطنٍ عرفنا فيه بعضنا، وكان يمكن أن نبقى فيه معاً بكرامة وعدل وسلام. نودّعه ونحن نخشى على ما تبقّى من السودان أن تمزّقه الحرب ويمضي إلى مزيدٍ من التقسيم، ونخشى على جنوب السودان نفسه أن تبدِّد الصراعات آمال أهله في الأمن والاستقرار والنهوض. فكأنّ الفشل الذي افترقنا بسببه يُصِرُّ على ملاحقتنا في ضفّتَي الوطن المقسوم، على نحو قول المتنبي: “فعلى أيِّ جانبيكَ تميلُ؟” .. ليت صوت العقل والحكمة يسود في السودانَيْن؛ صوناً لما بقي، وفتحاً لطريق السلام والحرية والعدالة والنماء الذي يستحقُّه شعباهما.

لروحه السلام؛ والعزاء لأهله ورفاقه ومحبيه في جنوب السودان وفي السودان؛ فما زالت بين الشعبين قلوبٌ تتقاسم الذكرى، ويجمعها الحزن حين يرحل أمثاله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع