
مع أول قطرات المطر التي تهطل على أم درمان، يخرج الأطفال إلى الأزقة فرحين، يركضون تحت السماء المفتوحة، بينما يتنفس الكبار نسيمًا باردًا يخفف وطأة الحر. لكن خلف هذه الفرحة البريئة، يختبئ واقع صحي مقلق يتكرر كل عام مع موسم الأمطار.
فالأمطار التي تُحيي الأرض وتنعش الروح، تتحول في كثير من أحياء المدينة إلى برك راكدة ومستنقعات صغيرة، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى شبكات صرف صحي فعّالة. هذه المياه تظل أيّامًا، وأحيانًا أسابيع، مشكلة بيئة خصبة لتكاثر البعوض والذباب والحشرات الناقلة للأمراض.
مع مرور أيام قليلة بعد الأمطار، تبدأ المراكز الصحية في استقبال أعداد متزايدة من المصابين بـ الملاريا، وحمى الضنك، والتيفويد، وأمراض الإسهال والنزلات المعوية. الأطفال وكبار السن هم الأكثر عرضة، نظرًا لضعف المناعة أو عدم القدرة على الوصول السريع للعلاج.
في حي الثورة، تقول الحاجة فاطمة، وهي أم لخمسة أبناء: “المطر نعمة من ربنا، لكن بعدو بيومين تلقى البعوض مالي البيت، والأولاد بيبدأوا بالسخانة والصداع. الملاريا بقت ضيف سنوي ما بنقدر نتفاداه”، بينما يضيف جارها عم أحمد: “المشكلة ما في المطر، المشكلة في الحفر والمجاري المسدودة، لو كان في صرف كويس، الأمراض دي ما بتنتشر”.
الأطباء في مستشفى أم درمان العام يحذرون من الاستهانة بهذه الأمراض، ويؤكدون أن الوقاية تبدأ من المنازل، مثل استخدام الناموسيات المعالجة، ورش المبيدات في الأحياء، وغلي المياه قبل الشرب، وتغطية الأطعمة كما يدعون المجتمع إلى التعاون مع السلطات المحلية لردم الحفر وإزالة تجمعات المياه بسرعة.
لكن التحدي الأكبر يبقى في ضعف الإمكانات؛ فحملات الرش لا تغطي كل الأحياء، وبعض المناطق لا تصلها التوعية بشكل كافٍ. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع كثير من الأهالي شراء طارد الحشرات أو تحمل تكلفة الفحوصات والعلاج.
ورغم هذه الصعوبات، تبقى أم درمان مدينة اعتادت الصمود في وجه الأزمات، إذ يمدّ الجيران بعضهم البعض بالمساعدة، وتنتشر المبادرات الشبابية لشفط المياه من الشوارع، وتنظيم حملات نظافة جماعية.
هكذا، يظل موسم الأمطار في أم درمان وجهًا مزدوجًا للحياة: جمال المطر وعبقه، يقابله تحدي الأمراض، في انتظار اليوم الذي تصبح فيه هذه المدينة قادرة على استقبال الغيث بفرح كامل، بلا قلق من تبعاته الصحية…



