
تُنسب مقولة “السياسة هي فن الممكن” إلى المستشار الألماني أوتو فون بسمارك (1815–1898)، أحد أبرز رجال الدولة في القرن التاسع عشر وصانع الوحدة الألمانية.
أراد بسمارك من عبارته التأكيد على أن السياسة ليست مجرد شعارات أو تطلعات مثالية، بل هي ممارسة واقعية تتعامل مع موازين القوى، وتستجيب لإمكانات اللحظة التاريخية، وتسعى إلى تحقيق الممكن في ظل الظروف القائمة، بدلاً من المستحيل.
لكن هذه المقولة، على الرغم من شهرتها، خضعت لتحولات عديدة في الفكر والممارسة السياسية. فالبعض يرى أنها تُختزل أحياناً إلى براغماتية ضيقة، تُبرر الانتهازية والمساومات على المبادئ.
بينما يرى آخرون أن تطور الفكر السياسي الحديث أضاف إلى “فن الممكن” أبعاداً جديدة، بحيث لم يعد الممكن محصوراً في ما تتيحه موازين القوى اللحظية، بل في ما يمكن للمجتمع أن يصنعه عبر التغيير والإرادة الجمعية.
يبدو أن هذه المقولة تكتسب بعداً خاصاً في السودان، حيث تتداخل السياسة مع الانقلابات العسكرية، والتوازنات القبلية، وضغوط الخارج. فمنذ الاستقلال عام 1956، ظل السياسي السوداني محكوماً بمعادلة “الممكن” في بيئة شديدة التعقيد.
فالممكن عند الأحزاب السياسية كان غالباً التوافقات الهشة والائتلافات القصيرة العمر.
والممكن عند العسكريين تمثل في السيطرة على السلطة باسم “الاستقرار” أو “إنقاذ الوطن”.
أما الممكن عند الحركات المسلحة فكان تحقيق الاعتراف السياسي عبر البندقية قبل أي تفاوض.
هكذا صار “فن الممكن” في السودان يعني أحياناً الانحناء للعاصفة بدلاً من مواجهتها، وأحياناً أخرى القبول بأنصاف الحلول لا بتمامها.
ومع ذلك، فإن الثورات الشعبية –من أكتوبر 1964 إلى ديسمبر 2018– أثبتت أن الممكن السياسي قد يتجاوز ما ترسمه النخب، ليُعاد تعريفه من جديد بضغط الشارع، أي أن الممكن ليس ثابتاً، بل مرن ويُعاد تشكيله بحسب من يمسك بزمام المبادرة.
إذا كان بسمارك قد صاغ عبارته في سياق بناء الدولة القومية الألمانية، فإن السياسة في السودان تظل فناً للممكن، لكن “الممكن” هنا ليس قدراً محتوماً، بل ميدان صراع مستمر بين ما تفرضه موازين القوى وما تصنعه إرادة الشعوب. وعليه، فإن إعادة تعريف “فن الممكن” تظل التحدي الأكبر أمام السياسة السودانية المعاصرة.


