مع بداية نذر التسوية السياسية تحت ضغط المجتمع الدولي، بدأت التحركات المشبوهة من جميع التسوويين ونهازي الفرص الباحثين عن السلطة بأي ثمن، في تمهيد الأوضاع لتمرير الإفلات من العقاب بوصفه الوسيلة الوحيدة لإيقاف الحرب. وهذا الموقف طبيعي من مسوقي شراكات الدم البائسة تحت دعاوى العقلانية وعدم تفتيت البلاد وعجز الحركة الجماهيرية عن هزيمة طرفي الحرب، خصوصا وأن هذه الحركة منهكة وغير موحدة الآن، وأن المجتمع الدولي الضاغط من أجل إيقاف الحرب يفضل التسوية وتنصيب واجهة من القوى التسووية المرتبطة بمشروعه كواجهة لتسويق هذه التسوية والعمل كحكومة مدنية مزعومة تؤسّس لانتقال لن يحدث حتماً.
فالتسوية التي سوف تسوق من هذا الفريق، أول ضحاياها ستكون العدالة والتأسيس للإفلات من العقاب، تحت دعاوى التضحية بهذه العدالة من أجل إيقاف الحرب بأي ثمن. وسيتم في هذا السياق استغلال ضغط الحرب على المواطن النازح والمشرد والمنهوب والمضغوط ومفقر في البلاد، الذي يرغب في إنهاء الحرب بأي وسيلة للتخلص من هذه الضغوط والمأساة غير المسبوقة، بالحديث على استحياء عن عدالة انتقالية غامضة دون دفع استحقاقاتها. وسيقال للمواطن أن القبول بوجود الجيش المختطف والجنجويد في المعادلة السياسية أمر حتمي لوقف الحرب لأنهما الطرفان المتحاربان. وإن كان من الصحيح أن وجود الطرفين المتحاربين في مفاوضات وقف الحرب العسكرية والأمنية حول الهدنة ووقف إطلاق النار لا مناص منه، فإن القبول بهما ضمن المعادلة السياسية المستقبلية من قبل حركة الجماهير ليس كذلك بكل تأكيد. فالتفاوض بين الطرفين المذكورين برعاية دولية لإنفاذ وقف القتال أمر طبيعي، لكن مشاركة القوى المدنية في أي تسوية سياسية تركب على ذلك وتسوق سلطة هجين يبقى فيها الطرفان أو أيا منها، هو خيانة كاملة للشعب السوداني قولا واحداً.
فأي تسوية سياسية تقود إلى إبقاء الطرفين في السلطة بأي شكل، تعني تقويض كامل للعدالة وتأسيس للإفلات الكامل من العقاب، ومكافأة للمجرم على جرائمه المتعددة في حق الشعب السوداني. فمن يقبل بتواجد الطرفين في المعادلة السياسية، لا بد من أن يعطيهما حصانة ضد المحاسبة على إشعال الحرب، وعلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكباها أثناء الحرب، وعلى الانقلابات العسكرية المتكررة المرتكبة، وعلى فض اعتصام القيادة العامة، وعلى قتل المتظاهرين، وعلى إعادة الفلول للسلطة، وعلى نهب وشفشفة المواطنين وتهجيرهم من ديارهم، وعلى تدمير البنية التحتية، وعلى التصرف في موارد البلاد الاقتصادية دون وجه حق، وعلى الارتباط بمحاور إقليمية ودولية وتقديم تنازلات على حساب الوطن والمواطن، وعلى قمع المواطنين وقتلهم تحت التعذيب في المعتقلات، وعلى جرائم النهب والاغتصاب وجميع أنواع الجرائم المرتكبة منذ انقلاب الحركة الإسلامية المجرمة المشئوم في العام 1989م.
فالطرفان اللذان يشكلان اللجنة الأمنية لسلطة الحركة الإسلامية المجرمة المسماة الإنقاذ، قبولهما في المعادلة السياسية يعني إشراكهما في السلطة بمستوى يحقق حماية تمكينهما ويمنع محاسبتهما. وهذا يقود مباشرة لإعاقة عمل الأجهزة العدلية، ومنعها من مباشرة سلطاتها في مواجهة المجرمين، الذين سيكافأون على جرائمهم بمناصب في السلطة،
أو على أقل تقدير بحصانة تمنع من محاسبتهم. وستترك لهم السيطرة على الأجهزة العسكرية والأمنية كما تركت لهم بموجب الوثيقة الدستورية المعيبة ليتمكنوا من تقويض أي انتقال، كما تترك لهم الأموال التي نهبوها والسيطرة على الاقتصاد الموازي الذي سيسلب أي سلطة انتقالية القدرة على إحداث أي تحول ذي معنى في الوضع الاقتصادي ، ويستتبع ذلك سيطرة على النشاط الإعلامي وتمكين من قصف العقول وتدمير الوعي عبر التضليل بواسطة آلة إعلامية ضخمة مسيطر عليها. وهذا يقود لاستمرار الدولة الاستبدادية المعادية للجماهير، التي ستواصل القمع مع إفقار المواطن حتى وإن كان لها واجهة مدنية، تماما كما كانت حكومة (المؤسس) التي استمر قتل المتظاهرين في ظل وجودها وسيطرتها الموهومة. فغياب المحاسبة وتقديم المجرمين للعدالة، يسمح باستمرارهم في القبض على مفاصل السلطة ومنع الانتقال، ويكرس واقع الإفلات من العقاب، ويغيب مبدأ الردع الذي يمنع من ارتكاب الجرائم المروعة مجددا، ويفرض الحركة الإسلامية المجرمة على حركة الجماهير التي لفظتها، ويمكنها من الحفاظ على السلطة والثروة عبر إشعال الحروب، بعد الفشل في تسويق انقلابها الثاني المعزز لانقلاب القصر.
فوق ذلك وبالإضافة اليه، من المستحيل أن تنشأ سلطة ديمقراطية او على الأقل سلطة تقود لتحول ديمقراطي يقودها مجرمون. وهذا يعني استحالة ان تكون هناك حريات حقيقية مدعومة بدستور يحمي الحقوق والحريات فعلاً، ومؤسسات عدلية مستقلة وفاعلة قادرة على حماية تلك الحقوق والحريات. فالمؤسسات العدلية الممنوعة من محاسبة المجرمين المسموح لهم بالاستمرار في السلطة او الممنوحين حصانة، هي مؤسسات عاجزة وأقصر قامة من أن تحمي نفسها واستقلالها من أن تحمي المواطن. فالهيئة القضائية على سبيل المثال، لن يكون هناك أمل في إعادة هيكلتها وإخراج الفلول منها وتكريس استقلالها، اما الجيش فسيبقى مختطفا، وبعد إدماج مليشيا الجنجويد الإرهابية والمليشيات الأخرى فيه بعد طويل عمر، يصبح جيشا إنقاذيا كامل الدسم، وآلة موظفة ضد الشعب باستمرار.
ودولة قائمة على الظلم مثل هذه من المستحيل أن يعمها سلام. فهي ستبقى وباستمرار على خطر اندلاع تمرد في أطرافها لغياب العدالة الاجتماعية، وعلى خطر تحول التناقضات الثانوية بين أطرافها وصراعهم على السلطة إلى حرب ساخنة في اي وقت، مثلما حدث بين الجنجويد والجيش المختطف ومازال يحدث حالياً، وربما تكون حركات محاصصة اتفاق سلام جوبا المزعوم هي الوقود للحرب القادمة. فالتسوية التي تسقط العدالة، تضحي حتما بالحريات وإن أوردتها في دستورها، وتقوض فرص السلام مثلما فعلت اتفاقية سلام جوبا التي مهدت للحرب الحالية. إذ لا سلام بدون عدالة تفكك دولة الظلم، وتنصف من ظلمته تلك الدولة وتعيد له حقوقه، لأن السلام سلام اجتماعي بالأساس لا مجرد وقف لإطلاق النار وفصل بين القوات المتحاربة.
وللقائلين بأن الشعب السوداني في ظروفه الحالية غير قادر على وقف الحرب وفرض ذلك على الطرفين بقوة وحدته وتنظيمه لنفسه، نقول بأنه ليس عاجزا عن رفض منح الشرعية لتسوية لا تتناسب مع مصالحه وأهدافه. فهو حتما ليس عاجز عن رفض المشاركة في أي تسوية سياسية تمنح الطرفين المتحاربين حق التواجد في المعادلة السياسية وتؤسس لإفلاتهما من المحاسبة والعقاب، وهو ليس عاجز عن إضعاف قدرة الطرفين على الاستمرار في الحرب برفض الانخراط فيها، وفشل التعبئة العامة المعلنة أبلغ دليل على ذلك، وهو غير عاجز عن رفض مثل هذه التسوية جماهيريا والعمل على إسقاط أي سلطة تنشأ عنها بالاستفادة من مناخ إيقاف إطلاق النار لاستكمال بناء جبهته القاعدية التي تشكل البديل اللازم للانتقال. كذلك هو غير عاجز عن رفض استمرار الجيش المختطف في السلطة والمطالبة بعودته لثكناته، وغير عاجز عن الاستمرار في المطالبة بحل الجنجويد، دون اي زعم بأن هذه المطالبات ستتحقق الآن وبشكل آني وسريع. فالخطوة الأولى في سبيل تحقيقها هي رفض إعطاء اي شرعية لأي سلطة سياسية تنشأ عن تسوية بين الطرفين لا تشتمل على عدالة كاملة تقود لمحاسبتهما وإقصائهما، أيضا رفض المشاركة في اي سلطة تنشأ عن تسوية دم كهذه تقود حتما لشراكة دم، مع العمل بجد لإسقاطها مهما طال الزمن . فالأفضل لشعبنا أن تنشأ سلطة معزولة مولودة من تسوية بين الطرفين المتحاربين مصيرها السقوط حتما لأنها معادية لشعبنا حتماً، من قيام مثل هذه السلطة بواجهة مدنية مزعومة ليس لديها من السلطة شيء، غير تعويم التمكين وخداع الجماهير بوجود انتقال يستحيل أن يتم دون تفكيك دولة التمكين وإقصاء طرفي الحرب. فالمطلوب هو عزل التسوية المشبوهة لا المشاركة فيها بمزاعم الواقعية، والاستمرار في بناء الجبهة القاعدية الرافضة لشرعنة هذه التسوية، والعاملة على إسقاط اي سلطة تنشأ عنها، والمصرة على أنه لا يمكن التضحية بأي من عناصر معادلة الحرية والسلام والعدالة من أجل إقامة العناصر الأخرى، لأنها مترابطة ترابطا لا فكاك منه، لخّصته عبقرية شعبنا في شعار ثورة ديسمبر المجيدة ” الثورة خيار الشعب، حرية سلام وعدالة ” ، ولا يمكن التضحية بالعدالة لإقامة سلام وبسط حريات بكل تأكيد.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!
30/1/2026