
في صباحٍ بدت سماؤه عادية، تحوّل جزء من السودان إلى ساحة اختبار جديدة لقدرة أطراف النزاع على تحويل التكنولوجيا إلى وسيلة ضغط ممنهجة. ستة فنيين في محطة كهرباء سنار أصيبوا إثر ضربات بطائرات مسيّرة انتحارية، أعقبتها سلسلة هجمات على محطات وتحويلات كهربائية في ولاية النيل الأزرق، ما أدى إلى انقطاعات واسعة وخروج مدن عن دائرة التيار. الهجمات ليست مجرد أرقام إصابات ودمار مادي؛ إنها استهداف مباشر للأعصاب المدنية للدولة، وبلغة أخرى استهداف لحدود الحد الأدنى من القدرة على توفير الخدمات.
تتابع الضربات إيقاعاً عسكرياً واضح المعالم: طائرات مسيّرة تُطلق من جهات محددة، تستهدف مرافق حيوية بعينها — مطارات، محطات كهرباء، مواقع لوجستية — في محاولة لزعزعة استقرار مناطق بعينها وفرض كلفة تشغيلية وسياسية باهظة على الخصم. هذا التحول في أدوات الحرب يجعل من كل مطار أو محطة تحويلاً إلى هدف استراتيجي بامتياز، ويزيد من هشاشة حياة المدنيين التي لم تعد محصنة أمام مفاجآت المسيرات.
المنظور الأمني يفرض قراءة مزدوجة: الأولى ميدانية تقيس قدرة كل طرف على ضرب العصب المدني والتهجم على قدرات الخصم، والثانية سياسية تقيس الأهداف التي تسعى الأطراف لتحقيقها عبر هذا التصعيد. عندما تُقاد الضربة في توقيت يتزامن مع محاولات لإعادة فتح مطار الخرطوم أو إعادة تأهيل بنية تحتية متضررة، تصبح الرسالة واضحة — هناك من يريد تعطيل أي بوادر عودة للحياة الطبيعية أو لخطوات استعادة الدولة.

ردود الفعل العسكرية الرسمية تميل دوماً إلى طمأنة المواطن: بيانات تفيد بتصدي الدفاعات الجوية وإسقاط مسيرات أو تبرير إطلاق المضادات الأرضية. لكنها لا تلامس حقيقة أعمق، وهي أن الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيّرة يغيّر قواعد الاشتباك: انخفاض تكلفة الهجوم، صعوبة التعقب والإحاطة، وزيادة خطر الاصطدام بمحيط مدني مكتظ. هذا يعني أن الرد العسكري التقليدي قد لا يكون كافياً لردع مثل هذه الهجمات أو منع تكرارها.
سياسياً، يبدو المشهد محكومًا بتوتر بين منطق الحرب ومنطق التفاوض. المباحثات التي قادتها الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر) وسعت لتكون إطارًا دوليًا لتهدئة المعمعة وفتح مسار سياسي شامل، وطرحت خارطة طريق لوقف مؤقت يفضي إلى عملية انتقالية. لكن على الأرض، تعقيدات النفوذ المحلي وتباينات أهداف الأطراف السودانية تصطدم بفعالية بأي مقاربة خارجية تسعى لفرض حلول سريعة. هذا التوتر بين الضغط الدولي والديناميكية الميدانية يجعل مباحثات الرباعية والمبادرات الأمريكية حبلاً رفيعًا بين الأمل والواقع.
على مستوى الاتصالات الثنائية، تبرز جهود دبلوماسية أمريكية نشطة، شملت لقاءات مع قيادات عسكرية سودانية ومبعوثين إقليميين، في محاولة لمدّ قنوات تفاهم تتجاوز الرتابة التقليدية للحلول الخارجية.

هذه الخطوات تحاول رسم مساحات آمنة للتفاوض وفتح مفاصل إنسانية واقتصادية — مثل تسهيل وصول المساعدات وفتح ممرات إقليمية للتجارة — لكنها تواجه تحفظات عميقة داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية السودانية، التي تخشى من أن تتحول العروض الاقتصادية إلى أدوات نفوذ تقوّض استقلال القرار الوطني. وهنا تكمن مأزقية المباحثات: كيف تُعدّل القوى الخارجية سلوك الطرفين الميدانيين دون أن تعطي الطرف الأقوى مكاسب سياسية تتحول لاحقًا إلى ثمن للتسليم بالوصاية؟
المباحثات الرباعية والأمريكية تحمل قيمة استراتيجية مزدوجة: الأولى تأمل في بناء «إطار دولي» قادرًا على الضغط والتسوية، والثانية تتطلع إلى عناصر عملية — هدنة إنسانية، فتح ممرات، التزام بحماية المدنيين — يمكن قياسها على الأرض. لكن التنفيذ يتعثر أمام معضلات محلية: انقسام القيادات، تعاظم دور الميليشيات، وغياب سلطة مركزية موحدة قادرة على تطبيق أي اتفاق. ولهذا، فإن أي نجاح محتمل للمبادرات الدولية يتطلب ضمانات ملموسة تحفظ التوازنات داخل المؤسسة العسكرية وتؤمّن أن ثمار الترتيبات لن تذهب لصالح طرفٍ واحد بما يغذي انتقامًا أو تجميدًا دائمًا للصراع.
الأثر الإنساني يتراكم بصورة درامية: انقطاع الكهرباء لا يعني مجرد انزعاج موقت، بل يعني تعطّل خدمات صحية وغذائية ومواصلات وإجهاد قدرة المستشفيات على الاحتفاظ بالمرضى، خاصة في مناطق معرضة للنزوح. ومع كل هجوم تتعاظم مخاطر النزوح الداخلي وتصبح معابر المساعدات أكثر تعقيداً، بينما تتضاءل قدرة المنظمات على الإمداد في ظل تهديد جوي دائم.
اقتصادياً، تتحمل البنى التحتية تكلفة باهظة لا تقتصر على إصلاح الأضرار فحسب، بل تشمل خسارة الثقة في قدرة الدولة على حماية استثماراتها ومرافقها الحيوية. هذا المناخ يبطئ أي تعافٍ اقتصادي ويزيد من كلفة إعادة الإعمار عندما تهدأ المواجهات. كما أن الاعتماد على تكنولوجيات الحرب الرخيصة نسبياً يُبعد إمكانية عودة شركات التأمين والاستثمارات الخارجية، ما يغلق نوافذ تمويل مهمة لإعادة الإعمار.
من زاوية استراتيجية، تصبح إمكانية تصديق أي عملية انتقالية مرهونة بقدرة الفاعلين على ضبط أدوات العنف. لا يمكن أن تُبنى عملية سياسية مستدامة بينما تستمر جهة في اللجوء إلى المسيرات لاستهداف ملامح الحياة المدنية؛ فالشرعية السياسية تتآكل عندما تتحول الحرب إلى استراتيجية إقصاء دائم.

الحلّ، إذا وُجد طريقاً واقعياً إليه، لا يمرّ عبر خيار عسكري أحادي الجانب، بل عبر ثلاثية متكاملة: أولاً تهدئة مؤقتة تشترط وقف الضربات على البنى المدنية وتفتح ممرات إنسانية ملحوظة؛ ثانياً آليات فنية فورية لحماية المرافق الحيوية (تعزيز الدفاعات الجوية المدنية، تشفير مسارات الطاقة، خطط طوارئ للمستشفيات والمياه)؛ ثالثاً انخراط سياسي يُترجم إلى ضمانات ومنظور حقيقي لحصة تمثيلية واضحة في مسار بعد الحرب، بحيث تُنزع المبررات السياسية لاستخدام العنف المستمر.
في الخلاصة، المشهد السوداني اليوم يعكس تلاقحًا خطيرًا بين أدوات عسكرية متقدمة (المسيرات) وسياسات دولية طموحة لكنها معرضة للانكشاف أمام تعقيدات الواقع المحلي. البنية التحتية المتضررة، وخصوصًا قطاع الكهرباء والمطارات، ليست فقط أهدافًا عسكرية بل نقاط ضعف إنسانية واستراتيجية. والمخرج، إذا وُجِد، لا يمرّ عبر معادلات عسكرية بحتة ولا عبر مشاريع دبلوماسية معزولة، بل عبر مزيج من وقف فعلي لإطلاق النار يرافقه جدول زمني واضح لتفعيل بند إنساني وسياسي — ثم ضمانات دولية وإقليمية لالتزام الأطراف، وإصلاحات داخلية تُعيد ثقة المواطن بالمؤسسات وتحدّ من قدرة الفاعلين المسلحين على تحويل البنى المدنية إلى رهائن للتكتيك العسكري.
بهذا الانسداد، يبقى السؤال الأكبر عن قدرة الوسطاء واللجنة الرباعية والولايات المتحدة على تحويل مباحثاتهم إلى واقع يخفف من الألم الميداني قبل أن يتحول الضرر إلى خراب لا يُصلح لاحقًا. وعندما يتوقف الضوء عن العمل في مدن مثل سِنار والخرطوم، يكون الثمن البشري والفكري والاقتصادي قد تضاعف — ما يجعل أي حلٍّ مستقبلي يحتاج إلى عجلة إصلاحية سريعة ولكنها مدروسة، لا مجرد تفاهمات مؤقتة يلتهمها صوت الطائرات المسيرة.



