
في الثالث عشر من نوفمبر 2025 م تحل الذكرى الثانية لرحيل الموسيقار والفنان الكبير محمد الأمين، أحد أعظم من أنجبتهم الساحة الفنية السودانية والعربية. عامان مرا على غيابه الجسدي، لكن صوته، وألحانه، وموسيقاه ما زالت تنبض بالحياة في ذاكرة الوطن، شاهدة على عبقرية فنية لا تتكرر إلا نادراً.
كان محمد الأمين أكثر من فنان؛ كان ضمير أمة وصوت وجدانها الجمعي. حمل السودان في قلبه ولحنه، وغنى له في كل مقام، فكانت أعماله الوطنية مثل ملحمة أكتوبر للشاعر هشام صديق، مرآةً لثورة الشعب وكرامته، ونشيداً خالداً يروي للأجيال قصة الحرية والنهوض. بصوته القوي وإحساسه العميق، استطاع أن يجعل من الأغنية الوطنية عملاً فنياً راقياً يتجاوز الشعارات إلى الإبداع الخالص.

وفي الجانب العاطفي، أبدع محمد الأمين في رسم ملامح الحب السوداني الأصيل، فكانت “بتتعلم من الأيام” للشاعر إسحق الحلنقي، و”زاد السجون” للشاعر فضل الله محمد، من روائع الغناء التي تجاوزت حدود الزمان والمكان، لتصبح جزءاً من الذاكرة الوجدانية لكل سوداني. امتلك قدرة نادرة على تحويل الكلمة إلى لحن نابض بالحياة، والمشاعر إلى موسيقى تلامس الروح.
لم يكن محمد الأمين مجرد مطرب يؤدي الأغاني، بل كان موسيقاراً شاملاً، يجيد التأليف والتوزيع والعزف، ويقود فرقته الموسيقية بحرفية عالية جعلت حفلاته الشهرية على مسرح نادي الضباط بالخرطوم حدثاً فنياً استثنائياً ينتظره الآلاف، في مشهد لم يتكرر في العالم العربي إلا مع كوكب الشرق أم كلثوم.

امتاز بحضوره الطاغي على المسرح، وبقدرته على التواصل مع جمهوره بعفوية وصدق، فكان الجمهور يراه رمزاً للفن النظيف والالتزام الأخلاقي، وصوتاً يعبر عنهم بصدق ووعي. لم يركض وراء الأضواء، بل جعل الفن رسالة ومسؤولية، فاستحق أن يكون أيقونة الغناء السوداني بلا منازع.
في الذكرى الثانية لرحيله، يقف السودان والعالم العربي إجلالاً لذكراه، ويستعيد سيرته التي تمثل تاريخاً من النقاء والإبداع والالتزام الفني. رحل الجسد، لكن بقي الصوت، وبقي اللحن، وبقيت المدرسة التي أسسها محمد الأمين شاهدة على أن الفن الحقيقي لا يموت، بل يزداد حضوراً مع مرور الزمن.
محمد الأمين لم يكن مجرد فنان عبر، بل وجدان وطنٍ بأكمله، سيظل صوته يردد في ذاكرة السودان: أن الفن يمكن أن يكون وطناً، وأن اللحن يمكن أن يكون حياة.



