ما عُرض أمام مجلس الأمن بوصفه «مبادرة سودانية شاملة للسلام» لا يرقى، في جوهره، إلى مستوى المبادرة السياسية بقدر ما يعكس خطابًا معياريًا منفصلًا عن شروط الصراع الواقعية. فالمشكلة لا تكمن في النوايا المعلنة، بل في البنية المفاهيمية نفسها: مبادرة تبدأ بنزع سلاح أحد أطراف الحرب قبل الاعتراف به طرفًا سياسيًا تفاوضيًا، وتطالب بالانسحاب والتجميع دون مسار تفاوضي واضح أو ضمانات متبادلة.
الحروب الأهلية، وفق كل تجارب العالم، لا تُختزل في مقولات أخلاقية أو أوامر سيادية، بل تُدار عبر توازنات القوة والتفاوض التدريجي وترتيبات أمنية متفق عليها.
الحديث عن نزع سلاح قوات تسيطر على مساحات واسعة من البلاد، وتملك تحالفات سياسية وعسكرية متعددة، دون اتفاق مسبق أو إطار وساطة مقبول من جميع الأطراف، يضع المبادرة في خانة التمنّي لا السياسة.
الأكثر إرباكًا هو الغموض المحيط بما سُمّي «المبادرة الأميركية–السعودية». فلا توجد وثيقة معلنة، ولا بنود متداولة، ولا إشارات إلى طرحها على أطراف الحرب كافة. المبادرات الجادة لا تُدار بوصفها علاقات عامة، ولا تُختزل في دعم لفظي من شركاء دوليين، بل تُبنى على شمولية الطرح وشفافية المسار.
في المحصلة، يعكس خطاب كامل إدريس أزمة أعمق: تصور للسلام بوصفه نتيجة خطاب دولي وضغط أممي، لا ثمرة عملية سياسية تفاوضية شاقة. والسلام، في السودان، لن يُفرض من المنصات، بل يُنتزع عبر سياسة واقعية تعترف بتعقيد الحرب وتعدد فواعلها.