منوعات
(الهايكو السوداني) : أمسية ساحرة مع عمر الطيب الدوش في المركز الثقافي السوداني بالدوحة
قدّمها الحاج الدوش وسط حضور نوعي من الأدباء والمثقفين

الدوحة – مشاوير: مجدي علي
نظّم المركز الثقافي السوداني بالدوحة يوم الخميس الماضي أمسية ثقافية وأدبية استثنائية حملت عنوان (الهايكو في شعر الشاعر عمر الطيب الدوش والساقية لسه مدورة)، الأمسية التي جمعت بين المتعة الأدبية والرصانة الفكرية، زينها حضور نوعي متنوع من مثقفين وأدباء من مختلف المشارب والأجيال، طغى عليه رغم التنوع حضور مميز للقانونيين الذين ربما جاءوا لدعم ومؤازرة زميلهم، مقدّم الندورة القانوني والأديب، الحاج الدوش، مما أضفى على الحدث بعدًا جمع بين الوفاء المهني والشغف الأدبي.
الشاعر والناقد بدر الدين صالح عيسى أبدع في تقديم الندوة، وأدهش الحضور بقدرته على المزج بين المعرفة الثقافية والقراءة الأدبية النقدية المشوّقة. استعرض بدر الدين بعض سيرة الشاعر عمر الطيب الدوش، وحكى عن تجربته الإبداعية التي جمعت بين الشعر والمسرح والنقد الاجتماعي، مؤكدًا على تميّزه في المزج بين الحس الغنائي والبعد الدرامي والهم الإنساني العميق. كما قرأ عددًا من نصوصه الشعرية، فحلق بالحضور في عوالم من الدهشة التي ميّزت أشعار الدوش.

تاريخ الهايكو
الدرامي محمد السني دفع الله أدار الندوة ببراعة ولطف، مبتدئًا بمداخلة موجزة ومثيرة، استعرض فيها مع (آهات حرّى) تاريخ الهايكو وأصوله التي تقوم على التكثيف اللغوي والاقتصاد في الكلمات، مع التركيز على اللحظة العابرة وتحويلها إلى صورة دلالية موحية. وأدهش السني الحضور بتصريح خطير أن أول من كتب الشعر على طريقة الهايكو في العالم العربي هو صلاح أحمد إبراهيم، قبل أن يعرفه جمهور الشعر العربي، معتمدًا في تصريحه على توثيق علمي ونماذج واضحة تثبت السبق في هذا المجال.
نجم الأمسية وربانها، الحاج الدوش، أمتع الحضور بسرد معرفته بالهايكو من لسان الشاعر عمر الطيب الدوش منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، عندما أكّد له الدوش الكبير أن هذا الشكل الشعري سيحدث ثورة في تطور الشعر السوداني، لما يتيحه من اختزال المعنى وبناء الصورة الشعرية على اللحظة العابرة والدهشة. وقد حرص مقدّم الندوة على توثيق خلاصتها من خلال ورقة علمية محكمة وزّعها على الحضور، تناولت تطور الهايكو وسماته الفنية، ما أضفى على الأمسية بعدًا علميًا جعلها مرجعًا للباحثين والمهتمين بالشعر.

شعر الدوش
الورقة التي قدمها الحاج الدوش أجابت بوضوح على سؤال محوري ظل يدور في أذهان الحاضرين منذ إعلان الندوة: ما هو الهايكو؟ وما علاقته بالشعر السوداني وبشعر الدوش؟، وقد أوضح أن الهايكو شكل شعري ياباني يقوم على التكثيف والاقتصاد اللغوي، والتقاط لحظة شعورية أو مشهد طبيعي وتحويله إلى صورة دلالية موحية، دون الالتزام بالشكل الصارم للشعر، بل بالروح القائمة على الدهشة والمفارقة والانفتاح التأويلي، وهي الروح التي رافقته في انتقاله إلى الثقافات الأخرى.
ثم انتقل الحاج إلى استعراض الهايكو في الشعر السوداني، مؤكدًا أن هذا الشكل وجد صدى لدى الشعراء السودانيين بفضل ميل الشعر السوداني الفطري إلى القصيدة القصيرة، والدوبيت، والمقطوعات الشعبية، والشعر الحر.

التنوع الثقافي
وأوضح أن التنوع البيئي والثقافي في السودان من نيل وصحراء وغابة وسهل أسهم في تهيئة بيئة ملائمة لقصيدة تقوم على المشهد واللحظة، ما جعل الهايكو تفاعلًا إبداعيًا مع التراث المحلي لا استنساخًا شكليًا، مؤكدًا أن التجربة السودانية أضافت بعدًا إنسانيًا محليًا إلى هذا الشكل الشعري العالمي.
كما شدد الحاج على أن تجربة الشاعر عمر الطيب الدوش الشخصية لم تكتب الهايكو اصطلاحًا، لكنها تتقاطع معه في عدة عناصر أساسية، أبرزها الاختزال، وبناء الصورة على اللحظة، والدهشة، وتحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى إشارات إنسانية عميقة. وأضاف أن نصوصه القصيرة المفتوحة على التأويل تجعل تجربته قابلة للقراءة في ضوء الهايكو بوصفه أفقًا جماليًا ونقديًا، مؤكدًا أن هذا النهج يتيح للقارئ رؤية النصوص من زوايا متعددة والاستمتاع بالمعنى الكامن خلف الصورة الشعرية.
شهدت الندوة نقاشات ثرية وممتعة بين الحاضرين حول طبيعة الهايكو، وكيفية دمجه في الشعر السوداني، بالإضافة إلى تبادل وجهات النظر حول العلاقة بين الشكل والمضمون، والتفاعل بين المحلي والعالمي في تجربة الدوش، ما جعل الأمسية تجربة تعليمية وإبداعية مميزة.
واختتمت الندوة بدعوة أطلقها الحاج الدوش لتأسيس نادي الهايكو السوداني بالدوحة، بهدف تعزيز حضور هذا الشكل الشعري في المشهد الثقافي السوداني بالخارج، وفتح المجال أمام الباحثين والمهتمين بالشعر لتطوير تجربة الهايكو محليًا، بما ينسجم مع الثقافة السودانية والخصوصية البيئية والاجتماعية للبلاد.




