مقالات

الصوفية في السودان .. كل الطرق تؤدّي إلى الله حتى الغناء والرقص  

عبد الجليل سليمان

يروي الشيخ محمد النور ود ضيف الله في كتابه “الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان”، أن مريدي الشيخ القدال ود إبراهيم عبودي قالوا له: يا سيدي نريد منك أن ترينا الطيران في الهواء فطار بعنقريبه، أي (بسريره) في الهواء.

وذكر في كتابه: كان الشيخ المسلمي الصغير ينظر من “الفرش إلى العرش”. ومن كرامات الشيخ بان النقا ود الشيخ عبد الرازق الأغر المحجل وهو رضيع، أنه كان لا يرضع في رمضان إلا ليلاً، وعندما مات كان يجيب على الناس من قبره. أما الشيخ إسماعيل صاحب الربابة فقد تكلم في المهد، وكانت الربابة تضرب وحدها فتطرب لها الحيوانات والجمادات، وكان الشيخ إذا استبدّت به النشوة والجذب، يجمع الصبايا والعرائس للرقص في فناء داره، ويعزف لهن ربابته التي كانت لكل ضربة منها نغمة يفيق بها المجنون، وتذهل منها العقول وتطرب لها الحيوانات والجمادات، وكانت إذا تركت في الشمس تحس باقتراب صاحبها منها ترسل إليه أنغامها دون أن يضرب عليها أحد.

ويذكر ود ضيف الله في طبقاته أيضاً أن الشيخ “الهميم” تجاوز في زيجاته المقدار الشرعي، وجمع بين الأختين عندما تزوج شقيقتين من مدينة رفاعة وجمع بين بنتيّ الشيخ بان النقا الضرير (كلثوم وخادم الله) فأنكر عليه القاضي الشرعي المعروف بـ”دشين” ذلك وأبطل زيجاته وفسخها، فردّ عليه الشيخ “الهميم” بأن الرسول أذن له بذلك، ولما أصرّ القاضي على فسخ هذه الزيجات دعا عليه الشيخ قائلاً: “الله يفسخ جلدك”، فمرض القاضي مرضاً شديداً حتى تفسّخ جلده.

هذه القصص وقصص أخرى كثيرة يتداولها السودانيون تعبّر عن نظرة المجتمع السوداني الخاصة إلى الدين، من خلال تعاليم الطرق الصوفيّة، ونظرته إلى شيوخ الصوفية من خلال معجزاتهم وخوارقهم، فكلما قدّم الشيخ المزيد منها كلما زاد عدد مريديه وأتباعه.

ولا يزال جُلّ السودانيين والسودانيات، بمَن فيهم المتعلّمون، يؤمنون بالشيوخ ويطلبون عونهم ومساعداتهم في إنجاز أعمالهم وقضاء حاجاتهم، وبين هؤلاء رؤساء ووزراء وقادة أحزاب سياسية، أشهرهم الرئيسان جعفر النميري وعمر البشير.

الإسلام الصوفي دين السودانيين

يقول الشيخ عبد الوهاب الطريفي، أحد شيوخ الطريقة القادرية لرصيف22: “منذ اعتناقهم الإسلام تدريجياً وعلى مراحل، لم تستهوِ الدراسات الفقهية والعلوم الدينية جلّ السودانيين، لتعقيداتها وتشابكاتها، فاختاروا التصوّف نسقاً لتديّنهم”.

ويضيف أن “الثقافات المحلية الإفريقية التي كانت سائدة تأنف الاستحواذ على عاداتها وتقاليدها، وهذا ما يسعى الفقهاء ورجال الدين إليه دائماً، بعكس شيوخ الطرق الصوفية الذين لا يناوئون الثقافات المحلية، وإنما يجيّرونها لصالح دعوتهم”.

لذلك، يتابع الطريفي، “نجح المتصوفة في نشر الإسلام في السودان وإفريقيا بيسر وسهولة، بينما فشل العلماء والفقهاء الذين كانوا يتوسلون في دعوتهم، ولا يزالون، أسلوباً جافاً قائماً على التحريم والتكفير والتشدد، فشيوح الطرق الصوفية انتهجوا أسلوب التغلغل الناعم، فكثر أتباعهم وتمكنوا من المساهمة في الحياة الاجتماعية وأثّروا على الحياة السياسية”.

ويشير الطريفي إلى أنه “رغم أن شرائحَ من سودانيي ما قبل الإسلام كانت تعتنق المسيحية على طريقتها الخاصة، إلا أن معظمهم ظلوا على أديانهم المحلية التي كانت تقوم على الوساطة الروحية بين شخص ما (حكيم)، وقوة عليا سماوية، وهذا الشخص كان يؤدي دور الوسيط الروحي لتقريب المتدينين إلى ربهم، وكان يسمى ساحراً أو (كجور) أو (أب)”.

ويلفت إلى أن “طقوس التعبّد كانت تُمارَس عن طريق الغناء وقرع الطبول والرقص العنيف إلى حدّ الغياب والتلاشي، وهذا ما استوعبه شيوخ الصوفية، فسمحوا به في العبادات الإسلامية، فكانت المدائح النبوية والإنشاد والموسيقى والإيقاع تُستخدم لتعليم الناس أمور دينهم، فيما تركوا التطلعات الشخصية للوصول إلى مراتب عبادية عليا للشأن الفردي، يقول ما يقول ويفعل ما يفعل، وبالتدرّج وعبر الحوار الناعم والمحبة يتم إفهامهم صحيح الإسلام وصحيح التصوف”.

ولعلّ كتاب “الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان” للشيخ محمد النور ود ضيف الله، وهو أول ما كُتب بالعربية المحلية، يمثل المرجع الأول والأكثر أهمية لنسق التصوف السوداني، إذ أرّخ لحوالي 270 شيخاً صوفياً عاشوا في فترة مملكة سنار (1505-1821)، وهي الفترة التي انتشر فيها الإسلام على نحو أوسع في السودان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى