مقالات

مركز الهدى: البندقية في مواجهة الحياة!!

أشرف عبدالعزيز

تضع أزمة مركز غسيل الكلى بمدينة الهدى بمحلية المناقل السلطات الولائية والمحلية أمام مرآة كاشفة تعكس خللاً بنيوياً في إدارة الأولويات، حيث تتحول المنشآت الطبية التي شُيدت بحبات عرق المزارعين والبسطاء إلى ساحات للاستقطاب العسكري والمطلبي، في مشهد يجسد ذروة المأساة حين تخنق “البندقية” رئة “العمل الإنساني”.

يتمثل جوهر الأزمة في مدينة الهدى في اعتداء صارخ على مفهوم “السيادة الشعبية”، فهذا المركز ليس هبة من حكومة أو منحة من منظمة دولية، بل هو ثمرة جهد تراكمي لمزارعين وكادحين اقتطعوا من محاصيل القمح والذرة والفول ليؤسسوا ملاذاً لمرضاهم.

إن تحويل هذا الصرح الطبي إلى مقر للمقاومة الشعبية هو “خطيئة أخلاقية” قبل أن يكون تعقيداً إدارياً، إذ يضع “المقاومة” التي تدعي حماية المواطن في موضع “المعطل” لأهم حقوقه الأساسية وهو الحق في الحياة.

وتتجلى هشاشة الإدارة الحكومية في موقف وزارة الصحة بولاية الجزيرة، التي وقفت عاجزة خلف “اشتراطات إدارية” رغم وجاهتها الفنية، إلا أنها تفتقر للإرادة السياسية لانتزاع حرم طبي من قبضة المظاهر العسكرية.

إن “تجميد” تسليم ماكينات غسيل الكلى بسبب وجود قوات داخل المبنى هو إقرار ضمني بفشل السلطة التنفيذية في ممارسة سيادتها على مؤسساتها الصحية، وترك المئات من مرضى الفشل الكلوي يواجهون الموت البطيء أو مشاق السفر التي تفوق طاقاتهم الجسدية والمادية.

إن رفض قيادات المقاومة الشعبية إخلاء المركز يطرح تساؤلاً ناقداً حول طبيعة هذه القوى وعلاقتها بالمجتمع المحلي،فبأي منطق تُقدم الامتيازات اللوجستية والمكانية داخل مبنى طبي على ضرورة تشغيل أجهزة حساسة منقذة للحياة؟ هذا التصلب يعكس عقلية “وضع اليد” التي لا تفرق بين الثكنة والمستشفى، ويضرب في مقتل رمزية العمل الشعبي الذي يمثل أرقى صور التكافل الاجتماعي في السودان.

من الناحية الفنية والأمنية، يمثل بقاء أي مظهر عسكري داخل حرم المركز تهديداً مباشراً لسلامة الأجهزة الطبية المعقدة التي تتطلب بيئة معقمة ومستقرة.

إن تعريض هذه الماكينات لخطر التلف أو التدمير نتيجة وجود أهداف عسكرية داخلها هو استهتار بموارد الدولة وممتلكات الشعب، وخرق صريح للقانون الدولي الإنساني الذي يمنح حماية خاصة للمرافق الطبية ويحرم استخدامها لأغراض غير طبية تحت أي مبرر كان.

إن ما يحدث في مدينة الهدى هو “انتحار قيمي”، فالمواطن الذي تبرع بمحصوله لبناء المركز يشعر اليوم بأن مجهوده قد “اختُطف”.

وتتحمل لجنة أمن الولاية والجهات القيادية في المقاومة الشعبية المسؤولية الكاملة عن أي روح تزهق بسبب تأخر افتتاح هذا المركز.

إن المصلحة الإنسانية يجب أن تعلو فوق الحسابات الأمنية الضيقة، والمركز ملكية عامة للمجتمع، وأي محاولة لتحويله لثكنة هي طعنة في خاصرة النسيج الاجتماعي للمنطقة.

تكمن الخلاصة في أن استمرار هذا الوضع سيفقد المواطنين الثقة في أي مبادرات مستقبلية للجهد الشعبي، وسيرسخ لنموذج “الدولة الفاشلة” التي لا تستطيع حماية مستشفى من تغول حلفائها.

إن إخلاء مركز غسيل الكلى بالهدى فوراً ليس “مطلباً” بل هو “واجب” أخلاقي وقانوني وتاريخي، وأي تأخير هو تواطؤ مع المرض ضد الإنسان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى