مقالات

الطيب صالح : تعظيم إبداعي وتساؤلات (3/2)

صلاح شعيب

الطيب صالح والذي عاصر فترات الحكم الوطني التي تعهد التخطيط لها مثقفون لم يجد التكريم الذي يوازي عطاءه الإستثنائي بالنظر إلى عطاء من شاركوه في التجييل ومن أتوا بعدهم.

وإذا نقبنا في السيرة الذاتية للرجل لوجدنا أن دولا في المنطقة وظفت بذكاء خدماته في مجال التخطيط الثقافي الإستراتيجي، وأن منظمات أقليمية ودولية إمتصت خبراته من خلال إرتباطه العملي بها، حتى وجدنا أن عطاءه في الكتابة الحرة، طيلة حياته، ظل موصولا بصحف ومجلات غير سودانية، فضلا عن ذلك فإن المئات من المهرجانات الأدبية التي شارك فيها واسهم في نجاحها، سواء في جدة أو القاهرة أو دمشق أو بغداد أو المغرب، لم يكن من بينها مهرجان ثقافي سنوي في الخرطوم.

صحيح أن عطاء شخصية الطيب صالح تجاوز السودان، ومثله في ذلك مفكرون وأدباء كثر تجاوزوا القطرية وأصبح النظر إليهم كرموز في حقل الثقافة العربية والأفريقية والعالم الثالث، بل أن إسهاماته الثقافية والعملية الخارجية أعطت بلادنا حضورا لافتا في هذه المهرجانات.

غير أن الناظر لرموز ثقافية عربية أمثال محمود أمين العالم أو يوسف أدريس، أو محمد عابد الجابري، أو محمد جابر الانصاري، أو محمد إبراهيم الفقيه سيجد أنهم ظلوا يمثلون بلادهم في هذه المهرجانات ويعودون إليها كما يعود الطائر إلى عشه، إذ أن حكومات بلدانهم عملت على تهيئة ظروف الاستقرار النسبي للمبدعين واسهمت في مكوثهم داخل أوطانهم وبالتالي إستفادت منهم في الجامعات، ومراكز الابحاث، والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وبرغم أن قائلا قد يجادل بأن مبدعين آخرين في تلك البلدان العربية نفسها قد عانوا من شظف العيش وغياب الحرية وتعرضوا للملاحقات الأمنية وفضلوا أن يعيشوا في الخارج إلا أن ذلك ليس سببا لأن نسلم بتقصير الدولة في عدم الإهتمام مرة ثانية بالطيب صالح، والذي كان قد عمل مستشارا بوزارة الثقافة والإعلام لفترة قصيرة ولم يجد دعما كبيرا من الدولة في عمله.

والأنكى وأمر أن ذات الدولة التي حرمت تدريس رواية الطيب صالح لأسباب تتعلق بتصريحه الشهير ذاك عادت في لحظات ضعفها تستنجد به من أجل أن تجير مواقفه لصالحها، وليت كان هذا الموقف الحكومي الأخير تصحيحا لمواقف قديمة جاءت في سياق محاربة الابداع وكل المبدعين، فالذي حدث هو أن هذا الإهتمام الأخير بالتودد لبعض المبدعين والخروج منهم بتصريحات تخدم خطها السياسي إنما هو شئ لا علاقة له بتمجيد المبدع في شخصه، أو إحترام عطاءه، أو تحقيق رغبته بأن يجد الحرية التي تتيح له الإبداع.

فالموقف الإيجابي من المبدعين ينبغي أن ينعكس في شكل إهتمام مدروس وراسخ من الدولة بالمؤسسات الثقافية والمبدعين أثناء وضع الأوليات في الإهتمام المركزي، وأثناء التخطيط السنوي للميزانية العامة، وكذلك لا بد لهذا الموقف الإيجابي أن ينعكس في شكل تحفيز المبدعين من غير دعاية إعلامية، أو بصورة تهين كرامتهم أمام الشعب، أو دعم منظماتهم الأهلية وتجنيبها الحملات الضرائبية والقوانيين التعجيزية لأي عمل أهلي.

وقبل كل هذا وذاك لا بد أن ينعكس موقف الدولة في شكل تهيئة لمناخ الحرية الذي يساعد المبدعين في تنمية منتجاتهم الفكرية والأدبية والفنية.

وأعتقد أن أي إحتفاء يبذل للراحل الطيب صالح أو بقية المبدعين الراحلين سيكون ناقصا وغير ذي جدوى إذا لم يلب الحاجيات الأساسية التي تحتاج لها العملية الثقافية وتطورها بإضطراد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع