تقارير

ما انعكاسات حرب إيران على مسار صراع السودان؟

مشاوير - وكالات

مع تصاعد العمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بدأ كثيرون من السودانيين خلال نقاشاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي يتخوفون من أن تؤدي هذه الحرب إلى تجاهل الصراع الدائر في بلادهم بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ ثلاثة أعوام، مما يعني طول أمده في وقت كانوا يعقدون الأمل في التوصل إلى اتفاق ينهي هذا الصراع في ضوء الجهود الحثيثة التي تقودها الولايات المتحدة والسعودية.

فما انعكاسات وتأثير هذه الحرب في واقع الصراع المشتعل في السودان، سواء من ناحية الإمداد اللوجستي والعسكري وغيره، بخاصة أن هناك أطرافاً دولية وإقليمية متهمة بتأجيج هذا الصراع، أو من جهة مسار الحل السلمي الذي تبذله الرباعية الدولية ممثلة في واشنطن والرياض والقاهرة وأبوظبي.

صدمة إقليمية

الباحث في الشؤون السياسية عروة الصادق، قال “تظهر المعطيات المتاحة أن الحرب بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، بدأت تنتج صدمة إقليمية مركبة ذات مسارين متوازيين ينعكسان على مسرح السودان، مسار لوجستي – اقتصادي – أمني يرتبط باضطراب ممرات النقل البحري والجوي وارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتزايد أخطار الملاحة، ومسار سياسي – دبلوماسي يتعلق بانشغال القوى الأكثر نفوذاً في الملف السوداني بأولويات الحرب وتداعياتها الأمنية المباشرة، بما يضغط على وقت وموارد الوساطة ويعيد ترتيب الأولويات الإقليمية والدولية”.

ومضى في تحليله، “على البعد العسكري واللوجستي داخل السودان، تؤكد تقارير فريق خبراء مجلس الأمن أن الحرب السودانية قائمة أصلاً على منظومات إمداد خارجية وشبكات تهريب واقتصادات حرب ممتدة خارج الحدود، تشمل خطوط تجهيز وإمداداً بالوقود والسلاح عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان، مع مؤشرات على استخدام مطارات داخل دارفور كبدائل إمداد في بعض الفترات”.

وأردف “بالتوازي رصد تقاطع بين مساري الحرب في السودان والنفوذ الإيراني عبر توريد أو تسهيل طائرات مسيرة، وفق إفادات متعددة ومتابعات طيران وصور أقمار اصطناعية، مع نفي رسمي سوداني وتفاوت في درجة التحقق بحسب الواقعة، وهو عنصر يظل شديد الحساسية من زاوية الدقة واليقين التفصيلي”.

وواصل “على البعد السياسي – الدبلوماسي، فإن بنية جهود الوساطة، من جدة إلى جنيف إلى مسارات الاتحاد الأفريقي و’إيغاد‘ إلى مسار الرباعية الدولية، كانت تواجه أصلاً تشتت للمسارات وتباين أجندات الوسطاء وتشدد الأطراف السودانية وتنامي قناعتها بإمكان الحسم العسكري مع دعم خارجي، وهو ما يجعل أثر الصدمة الإقليمية الجديدة أكثر ترجيحاً باتجاه تقليص الحيز الدبلوماسي المتاح في المدى القريب”.

وبين الصادق أن “الحرب ضد إيران ترجح في المدى القصير انكماش الحيز الدبلوماسي المتاح للسودان، مع قابلية ظهور نافذة ضغط في المدى المتوسط تستهدف تقليص موطئ قدم طهران، وربما روسيا، على ساحل البحر الأحمر، بما قد يرفع كلفة استمرار الحرب السودانية على داعمي الأطراف ويعيد ترتيب الحوافز باتجاه هدنة إنسانية مشروطة وآليات امتثال أكثر صرامة”.

واستطرد “يظل الجزء الأكثر حساسية هو تفاصيل الإمداد العسكري من حيث الأحجام والأنواع ومسارات الدفع، إذ إن كثيراً من ذلك غير معلن أو متنازع عليه، لذلك تذكر الاتجاهات العامة المدعومة بمصادر موثوقة، وتترك التفاصيل غير المحسومة بوصفها غير محددة في المصادر العلنية”.

وأكد أنه على مستوى طرفي حرب السودان، فإن اعتماد الجيش على دعم الطائرات المسيرة يجعل الحرب ضد إيران قادرة على الضغط على الحلقة الخفية لأي توريد مباشر من طهران، سواء بتعطيل الطيران أم بتصعيد الضغط السياسي لمنع تسليح طرف يوصف بالتقارب مع طهران، وهو ما قد يدفع القيادة إلى تعميق الاعتماد على موردين بديلين أو التصنيع والتجميع المحلي، أو إلى مقايضة سياسية تقلل الانكشاف على إيران مقابل مكاسب دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من الرباعية أو أوروبا، بخاصة إذا ارتفعت كلفة الوصم كساحة نفوذ إيرانية على البحر الأحمر.

صورة رمزية

عقدة تنافس

وأشار الباحث في الشؤون السياسية إلى أنه “من ناحية قوات الدعم السريع، فإن شبكة الإمداد التي وثقها فريق الخبراء توصف بالمرونة وتعدد القنوات عبر قوافل صحراوية وتهريب ومسارات عبر ليبيا وتشاد، مع مؤشرات حول استخدام مطار نيالا كبديل لتسريع الإمداد مقارنة بالطرق البرية الطويلة، مما قد يجعل أثر صدمة الخليج أقل حدة على المدى القصير، مع بقاء نقاط ضعف مرتبطة بارتفاع تكاليف التشغيل واعتماد اقتصاد الحرب على سلاسل خدمات متعددة”.

وأضاف “زمنياً، يرجح خلال الأفق القصير الممتد من أسابيع إلى ثلاثة أشهر ارتفاع أخطار التصعيد التكتيكي داخل السودان نتيجة انشغال الوسطاء أمنياً واندفاع الأطراف لتحقيق مكاسب ميدانية، قبل تشكل موجة ضغط جديدة أو قبل تغير خطوط الإمداد، مع بقاء احتمال التهدئة المستدامة متوسطاً إلى منخفض من دون ترتيبات تحقق ومراقبة وإلزام”.

وزاد “أما في الأفق المتوسط (من ثلاثة إلى 12 شهراً)، فيتحدد اتجاه الحرب السودانية وفق مسار الحرب ضد إيران نحو احتوائها أو تمددها، ووفق قدرة الرباعية والمجتمع الدولي على دفع مقايضة إقليمية تمنع التموضع الإيراني أو الروسي على البحر الأحمر، في مقابل حوافز وضغوط على أطراف السودان، بما قد يفتح نافذة لهدنة إنسانية أو وقف نار هش إذا ارتفعت كلفة الإمداد وأرفقت بضغوط سياسية متماسكة”.

ورأى الصادق في “شأن الأفق الطويل بأنه في حال ترسخت بيئة شديد العسكرة ناحية البحر الأحمر وتزايدت ترتيبات القواعد على هذا الساحل، فقد يتحول السودان إلى عقدة تنافس مزمنة بدل صراع داخلي بامتدادات خارجية، مع صعود أخطار حروب الوكلاء وتفتت الدولة واقتصاد الحرب، مع ارتباط ذلك بملف القاعدة البحرية الروسية قيد التفعيل أو التحريك، وفق تغطيات موثوقة”.

وعد أبرز الجوانب السلبية المحتملة على حرب السودان في انكماش الاهتمام الدبلوماسي قصير الأمد وضعف متابعة آليات الوساطة والامتثال وارتفاع كلفة الإمداد التجاري والإنساني، واحتمال اندفاع الأطراف إلى تصعيد تكتيكي بهدف تحقيق مكاسب قبل تشكل موجة ضغط جديدة، مع قابلية توسع اقتصاد الحرب وشبكات التهريب نتيجة تشتت التركيز الدولي.

ومضى في القول “في المقابل فإن أبرز الجوانب الإيجابية المحتملة تتمثل في احتمال تشكل نافذة ضغط إقليمي -دولي أوسع للحد من التموضع الإيراني والروسي على البحر الأحمر، بما يرفع كلفة الاستمرار في الحرب على أي طرف ينظر إليه بوصفه قناة نفوذ، ويخلق حوافز جديدة لهدنة إنسانية مشروطة وآليات امتثال أقوى، إذا استطاعت الرباعية تحويل دورها من إطلاق المبادرات إلى هندسة التنفيذ والرقابة”.

زيادة أطماع

من جهته، اعتبر المحلل السياسي أحمد موسى عمر أن “الحرب المندلعة حالياً ضد إيران جرت إليها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جراً بضغوط من اللوبي الصهيوني لغرضين هما إضعاف طهران لصالح الكيان الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه تحقيق رغبة الولايات المتحدة في إضعاف المحور الروسي – الصيني بالسيطرة على مواضع الوقود الكبرى، فبعد فنزويلا كانت إيران هي الوثبة الثانية، وبالسيطرة عليها تتهيأ تركيا لحصار أميركي – إسرائيلي – أوروبي تضييقاً للخناق على موسكو وبكين، أما الهدف الثاني الخفي فهو محاولة تخفيف الضغط السياسي الداخلي العنيف على إدارة ترمب ووقف العدائيات بين الديمقراطيين والجمهوريين”.

وتابع “لقد أدركت روسيا خطورة التمدد الأميركي على مناطق نفوذها، لكنها لا ترغب في إيقاعها في فخ حرب علنية تفتح الباب على التدخلات الأوربية المباشرة، لكونها تخوض حرباً استنزاف قاسية مع أوكرانيا، وحرباً أخرى باردة بدعم أميركا وأوروبا للأخيرة (كييف)، في وقت أعلنت كل من الصين وتركيا وكوريا الشمالية موقفاً واضحاً من هذه الحرب بدعمهما لإيران، مع تحفظ تركي على الهجوم الإيراني على مواقع أميركية بدول الخليج”.

واستطرد عمر “بكل تأكيد أن هذه الحرب ستتحول لحرب استنزاف للمخزون العسكري الأميركي والإسرائيلي في محاولة لإعادة ميزان القوى لنقطة جديدة، فضلاً عن أنها تستهدف من زاوية أخرى الأمة الإسلامية بوضع طهران في مواجهة عدد من الدول العربية والإسلامية”.

وواصل “في تقديري أن حرب إيران ستؤثر بصورة عامة في قدرة الإمارات وإسرائيل على الإمداد العسكري والفني لقوات ’الدعم السريع‘ لحاجتهما إلى التركيز على الدفاع والحفاظ على ما يمكن حفظه من بنيات تحتية وخدمية مدنية وعسكرية، وحتى بعد انتهاء الحرب تحتاج هاتين الدولتين إلى وقت أكبر لإعادة إعمار ما دمرته المسيرات الإيرانية التي أطلقت أكثر من ألف قذيفة فقط تجاه الإمارات، بحسب إفادات إماراتية”.

وتوقع أن يكون هناك تأثير سلبي في الاقتصاد السوداني جراء الحرب الإيرانية ضمن التأثير في الاقتصاد العالمي، مما يتطلب إجراءات اقتصادية احترازية، مع ترشيح السودان كمورد اقتصادي بديل يمكن أن يحقق قفزات في الوقت ذاته.

ولفت المحلل السياسي إلى أنه من المنتظر أن تزيد أطماع الدول الطامعة والخارجة من الحرب الإيرانية في موارد السودان، إذ إنه في حال انتهت هذه الحرب قريباً ستكون الهجمة ربما أشرس، وإن استطال أمدها فيمكن للجيش السوداني أن يسيطر على رقعة أكبر في إقليمي كردفان ودارفور، مع تأمين الحدود وتطوير علاقاته مع بعض الدول الصديقة، في تحالف اقتصادي يعالج آثار الحرب بعلاقة يستفيد منها الكل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع