تقارير

وفاة بثينة خليل… حين يعيد خبرٌ قديمَ الذاكرة إلى الواجهة

الخرطوم - مشاوير: منهل موسي محمد

ضجّت الأسافير خلال الساعات الماضية بخبرٍ تداولَه كثيرون عن وفاة السيدة بثينة خليل، حرم الرئيس السوداني الراحل المشير جعفر محمد نميري، خبرٌ – بصرف النظر عن دقته وتفاصيله – أعاد إلى الواجهة صفحةً كاملة من تاريخ السودان السياسي والاجتماعي، وفتح بابًا واسعًا للذاكرة والحنين والأسئلة.
بثينة خليل لم تكن مجرّد زوجة لرئيسٍ حكم السودان لستة عشر عامًا، بل كانت جزءًا من صورة مرحلة كاملة، ارتبط اسمها بسنوات الحكم، وبحياة القصر، وبالتحولات الكبيرة التي عاشها السودان منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى منتصف الثمانينيات. لذلك، لم يكن غريبًا أن يثير ذكر اسمها هذا التفاعل الواسع، فالأسماء المرتبطة بالسلطة غالبًا ما تبقى حيّة في الوجدان العام، حتى بعد غياب أصحابها بسنوات طويلة.
اللافت في تفاعل الأسافير ليس فقط الحزن أو عبارات التعزية، بل عودة الجدل القديم: تقييم تجربة نميري، المقارنة بين الأمس واليوم، واستدعاء زمن الدولة المركزية القوية، بكل ما له وما عليه. هكذا، تحوّل الخبر من مجرّد نعيٍ متداول إلى مناسبة للنقاش السياسي والاجتماعي، وكأن الذاكرة السودانية لا تزال تبحث عن إجاباتها في الماضي.

بثنية رفقة الراحل جعفر نميري

في مثل هذه اللحظات، يختلط الإنساني بالعام. فبعيدًا عن السياسة، تبقى الوفاة – إن صحّ الخبر – حدثًا إنسانيًا يستوجب الاحترام، فالموت لا يفرّق بين شخصٍ عام أو خاص. وبعيدًا عن المواقف المتباينة من عهد نميري، فإن استحضار زوجته في هذا السياق يذكّرنا بأن خلف كل حكمٍ وأسوار سلطة، كانت هناك حياة خاصة، وأشخاص عاشوا أفراحهم وأحزانهم بعيدًا عن المنابر.
ضجيج الأسافير حول الخبر يكشف شيئًا أعمق: أن السودان ما زال يعيش حوارًا مفتوحًا مع تاريخه، وأن أي اسمٍ كبير قادر على إشعال هذا الحوار من جديد. ربما لم يكن التفاعل مع الخبر تعبيرًا عن شخص بثينة حليل بقدر ما كان تعبيرًا عن اشتياقٍ لفهم الماضي، أو حتى للهروب من قسوة الحاضر.
في النهاية، سواء كان الخبر تأكيدًا لرحيلٍ فعلي أو مجرّد نبأٍ متداول، فإن الأكيد أن الذاكرة السودانية لا تنسى، وأن التاريخ – بكل ثقله – لا يزال حاضرًا في تفاصيل يومنا، ينتظر من يقرأه بهدوء، لا بضجيج الأسافير وحده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع