مقالات

الحياد القاتل وأزمة النخبة السودانية

إبراهيم هباني

في الحروب، تتراجع قيمة الشعارات، وتبقى المواقف. وحين تنهار الدولة، لا يسأل السياسي وحده، بل تسأل النخبة أيضا: أين وقفت؟ ماذا قالت؟ ومتى اختارت الصمت؟

في الحالة السودانية، تبرز أزمة أعمق من خلافات السياسة والسلاح، هي أزمة النخبة نفسها. فبلدٌ تتفكك فيه الدولة، وتُقصف المدن، ويُهجّر المدنيون، يحتاج من نخبه حدا أدنى من الوضوح الأخلاقي، لا حيادا ملتبسا يسوق بوصفه حكمة أو تعقلا.

ضمن هذا السياق، لا يمكن تجاهل أسماء ذات ثقل معرفي مثل عبد الله علي إبراهيم ومحمد جلال هاشم. فقد أسهما، عبر سنوات طويلة، في بناء خطاب نقدي مهم حول التاريخ والدولة والهوية. غير أن قيمة هذا الإرث تختبر اليوم، لا في سلامة التحليل، بل في وضوح الموقف عند لحظة الدم.

الامتحان الحقيقي لا يجري في قاعات الجامعات ولا في سجالات النخب، بل في لحظة تتقدم فيها الحرب على كل ما عداها. حرب السودان ليست تمرينا نظريا في نقد المركز والهامش، ولا مساحة لتفكيك السرديات، بل واقع دموي تحسم فيه الأمور بالسلاح، وتفكك فيه مؤسسات الدولة، ويدفع المدنيون ثمنا مباشرا.

عبد الله علي إبراهيم، المعروف بدقته التاريخية وحرصه على السياق، اختار مقاربة تغرق الحدث الراهن في امتداداته الطويلة. هذا المنهج، على أهميته الأكاديمية، يتحول إلى إشكال سياسي وأخلاقي حين يذيب المسؤوليات المباشرة في تاريخ ممتد، ويضعف القدرة على تسمية الجريمة باسمها. فالتاريخ، حين يستدعى لشرح كل شيء، قد يتحول إلى ذريعة لعدم محاسبة أي شيء.

أما محمد جلال هاشم، فقد مضى أبعد في نقد الدولة المركزية، وهو نقد مشروع في أساسه، لكنه بلغ منطقة رمادية حين اقترب من مساواة أخلاقية بين من مارس العنف ومن وقع عليه.

وعندما تختفي الفواصل بين الضحية والفاعل، يفقد النقد وظيفته الأخلاقية، ويتحول إلى خطاب بارد يبدو محايدا في لغته، لكنه خطير في أثره.

المسألة هنا ليست تصفية حسابات فكرية، ولا تجريح أشخاص. إنها سؤال عن دور النخبة حين تنفجر الدولة.

 فالمثقف ليس مطالبا بأن يكون طرفا في الحرب، لكنه مطالب بألا يبررها، وألا يختبئ خلف حياد زائف يساوي بين النار ومن احترق بها.

في تجارب الدول المنكوبة، لعبت النخب أدوارا متباينة: إما ضميرا عاما يضع الخطوط الحمراء، أو شاهدا مترددا يكتفي بالشرح بعد فوات الأوان.

 والتاريخ لا يحتفي طويلا بمهارة التحليل، بقدر ما يتذكر من امتلك شجاعة الموقف.

السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من تفكيك اللغة، بل إلى إعادة بناء البوصلة.

 فالحرب لا تدار بالمصطلحات، بل تحاسب بالمواقف.

والحياد، حين يتساوى فيه القاتل والمقتول، لا يبقى فضيلة، بل يتحول إلى مشاركة غير مباشرة في المأساة.

في زمن الدم، لا يختبر العقل بذكائه، بل بشجاعته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع