مقالات

دخان كثيف لن يحجب الحقائق!!

(في توازن الضعف والتسوية)

د. أحمد عثمان عمر

 

(1)

 

المواطن المغلوب على امره الرازح تحت عسف وظلم مليشيا الجنجويد الإرهابية او استبداد قيادة الجيش المختطف ومن خلفها، والممنوع من المشاركة ومغيب عن المشهد بقوة السلاح، ينظر بتعجب لتصرفات حكومتي الأمر الواقع غير الشرعيتين التابعتين للمليشيا الإرهابية والجيش المختطف، والمتناسلتين من انقلاب اللجنة الأمنية للإنقاذ بعد انقسامها ووصول قسميها إلى مستوى الحرب الساخنة الراهنة.

 

فالغياب الفعلي لحكومة الجنجويد وفشلها الذريع في القيام بدور السلطة المدنية، يواكبه صراعات داخلية في المليشيا الإرهابية على اساس قبلي مناطقي، وتراجع في التقدم العسكري في اقليم كردفان بصفة عامة، بالرغم من سيطرتها على مساحات مقدرة من الإقليم.

 

ويقابل ذلك بلبلة في معسكر سلطة الأمر الواقع المسيطر عليها من قبل الجيش المختطف ومن خلفه، وخطاب غاضب من رئيسها الجنرال الانقلابي المزمن، في رد فعل على تحركات (المؤسس) ومجموعته من قيادات شراكات الدم في أوروبا، مما يؤكد ان هذا التحرك الذي تزامن مع توظيف الأجهزة العدلية سياسياً وبدء محاكمة هذا الفريق بتهم خطيرة أمام قضاء سلطة الأمر الواقع الموظف سياسياً مؤثر وفعال.

 

وهذا المشهد يؤكد حقيقة لا سبيل لتجاورها، هي ان سلطتي الأمر الواقع غير الشرعيتين، تمران بأزمة حقيقية، تدفعهما معا لمحاولة تعويض الفشل السياسي بالخطاب العنيف وإخراج الهواء الساخن والحديث عن انتصارات عسكرية دون اي معارك مشهودة ، كخطاب دعاية سلطة الجنرالات عن دخول مدن جنوب كردفان التي تخضع أصلا لسيطرتها وفك الحصار عنها. وهو امر وان كان له دلالة على إمكانية الوصول لمدينتين مهمتين، لكنه لا يعني أبدا ان الطرق الرئيسة اليهما سالكة وآمنة. ويشابه ذلك هبوط طائرة في مطار الخرطوم بغرض نشر دعاية عن قدرة على تشغيل المطار، لا تنفي وقوع هذا المطار تحت تهديد المسيرات المستمر، والدلالة هو عدم وجود اي رحلات مجدولة من والى هذا المطار.

 

(2)

 

في اطار تغييب المواطن وفعله السياسي المتفق عليه بين السلطتين غير الشرعيتين، وتعرض كل من يصدح برأي معارض او يردد شعارات ثورة ديسمبر المجيدة للقمع والمحاكمات الجائرة كالمناضل منيب في دنقلا، يفتح المجال على مصراعيه للتدخل الأجنبي وللمجتمع الدولي ليصبح الأكثر فاعلية في الضغط على طرفي الصراع في ظل توازن الضعف بينهما. وبالرغم من المحاولات الرامية لتوزيع الضغط بين الفريقين، لا يتساوى هذا الضغط بل يتفاوت حسب حاجة المجتمع الدولي وتصوره من وقت لآخر. وبالرجوع إلى موقع إطلالة للصحفي النابه محمد المكي على شبكة الإنترنت، نجد انه قد تلقى نسخة من بيان اصدرته وزارة الخارجية البريطانية ، يؤكد فرض الحكومة البريطانية لحزمة عقوبات جديدة تدخل حيز التنفيذ فوراً، شملت حسين برشم القائد الميداني لمليشيا الجنجويد المتهم بإرتكاب فظائع، وابوعاقلة كيكل قائد مليشيا درع السودان التابعة للجيش المختطف المتهم بنفس الاتهام، ومصطفى عبدالنبي مدير بنك الخليج والمستشار لقائد الجنجويد المتهم بتمويل حرب المليشيا. كذلك شملت كلاوديا فيفيانا وماتيو اندريس و الفارو اندريس، الضالعين في تجنيد عناصر سابقين في الجيش الكولمبي لتدريب مليشيا الجنجويد الإرهابية والقتال في صفوفها. والواضح من هذا البيان أن العقوبات البريطانية استهدفت بالأساس المليشيا الإرهابية ، حيث شملت احد اهم قادتها الميدانيين، وثلاثة ممن جنّدوا المرتزقة الكولومبيين لتدريبها والقتال في صفوفها، في تصريح وإبانة واضحة عن قيام هذه المليشيا الإرهابية باستخدام المرتزقة في حربها التي تشنها على المواطن لا على الجيش المختطف وحده، كما استهدفت العقوبات مصادر تمويلها. وورود اسم قائد مليشيا درع السودان التابع للجيش المختطف، لا يغير من حقيقة ان الضغط الأكبر في هذه العقوبات موجه لمليشيا الجنجويد. وهذا التوجه مع الأخذ في الاعتبار تشديد المجتمع الدولي على وحدة السودان وسلامة أراضيه ورفضه الاعتراف بحكومة الجنجويد بإجماع تام شمل حتى الدول الداعمة للمليشيا الإرهابية، يعني ضغوطا اكبر على هذه المليشيا، يفصح عن رغبة في ان يقدم الجنجويد مزيدا من التنازلات في سبيل إبرام التسوية التي يعمل من اجلها المجتمع الدولي ، وتتحرك تحت ظلها مجموعة شراكات الدم وافرادها، الذين ادمنوا مثل هذه التحالفات ووضعوا كل بيضهم في سلة المجتمع الدولي ، ومازالوا يراهنون على تصريحات هذا المجتمع الرافضة لوجود الحركة الإسلامية المجرمة (أو طرفي الصراع) كشريك في السلطة. وهي تصريحات تأتي في اطار الضغط على الطرفين المتحاربين لتعزيز توازن الضعف، ولكنها قابلة للمساومة تحت دعاوى الواقعية كما سنرى مستقبلاً.

 

(3)

 

ما تقدم يوضح ان معالم تسوية ما بدأت تتضح، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار خطاب الحرب الخجول الذي جاء ضمن مخرجات لقاء الإسلاميين بجميع فصائلهم في ماليزيا، بالمواكبة مع ارتفاع وتيرة الضغط الدولي على الطرفين ، وازدياد ضغط المجتمع الدولي على المليشيا الإرهابية، وانفعال الانقلابي المزمن من تحركات التسوويين في أوروبا ، وتصريح وزيرة الخارجية البريطانية بأن رسالة حكومتها من العقوبات لكل شخص مسؤول عن قيادة الجيوش المتحاربة وارتكاب الفظائع بأنه سيحاسب يوما ما. ولكن خطورة هذه التسوية، تتضح في التوافق على تغييب المواطن تغييبا كاملا ، ومحاولة السيطرة عليه وإعادة من نزح قسرا إلى ديار ليس فيها موارد للرزق، ليبقى تحت السيطرة وجزءا من أدوات المساومة ، كما يحدث للاجئين إلى مصر بإتفاق بين حكومة الجيش المختطف والإدارة المصرية، التي تطارد المواطنين السودانيين الهاربين من جحيم الحرب، لارسالهم إلى مواقع حربها ما تزال مشتعلة ، ومسيرات طرفيها تضرب كل شبر في الأراضي السودانية. وهذا التغييب ليس صدفة، بل محاولة جادة من الطرفين المتحاربين لفرض ارادتهما بالقوة ورسملة نتائج الحرب ، للهروب من المحاسبة والإفلات من العقاب، واهدار العدالة في مقابل الأمن ، وتطبيع الاستبداد في مقابل إيقاف الحرب.

 

والمجتمع الدولي حتما سيتعامل مع الأمر الواقع وتوازن القوى، وسيقبل من ينخرط في مشروع تسويته من المدنيين وهم كثر وفاعلين في شراكات الدم، ولن يناضل نيابة عن شعب السودان وهذا ليس دوره بالطبع.

 

لذلك يبقى واجب القوى الحية في شعبنا رغم كل الظروف الصعبة، مواصلة بناء جبهتها القاعدية ، والاستفادة من مناخ التسوية للتوسع في هذا البناء دون الانخراط في هذه التسوية، توطئة للنضال من أجل إسقاط اي تسوية تقبل بطرفي النزاع في المعادلة السياسية وتعفيهما من المحاسبة على الجرائم البشعة التي ارتكباها وتهدر العدالة.

وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع