تختلف التواريخ التي قدمها المؤرخون حول بداية قدوم الجنود السودانيين إلى يوغندا، لكن تنحصر كلها بين عامي 1869-1890 م، وتتفق على أن أول دفعة جاءت تحت قيادة أمين باشا، ثم آلت القيادة إلى الكابتن البريطاني لوغارد الذي توسعت في عهده الفرقة السودانية وانضم لها الآلاف من أبناء القبائل الاستوائية، وصارت تحت أمرة شركة الاميراطورية البريطانية لشرق أفريقيا. كانت هذه المجموعة السودانية هي رأس الرمح للتوسع الاستعماري البريطاني في شرق أفريقيا، حيث وصلت طلائعهم إلى ممبسا في كينيا وإلى تنزانيا.
ولا تزال مجموعات منهم تعيش في منطقة “كابيرا” في نيروبي.
المدهش في علاقة الجنود السودانيين المسلمين بيوغندا أنهم عند وصولهم وجدوا أن هناك مجموعات مسلمة من “البوغندا”، لكنهم كانوا على طرفي نقيض في المعارك التي تدور لاخضاع كل المناطق اليوغندية للاستعمار البريطاني، حيث كان المسلمون اليوغنديون ٠ يدافعون عن مملكة البوغندا التي ينتمون لها.
حين ظهر القائد النوبي السوداني المسلم سليم بيه على رأس الفرقة السودانية تحسنت علاقة الفرقة مع المسلمين اليوغنديين ووصلت في بعض المراحل لمرحلة التحالف. وساهم سليم بيه في عودة ملك البوغندا “الكباكا” إلى مقر مملكته، واستوطن النوبة السودانيين في مناطق مختلفة في شمال يوغندا وفي مناطق البوغندا وكانت لهم قلعة في منطقة “كلولو” الحالية.
كما تمدد النوبة إلى مناطق أخرى في يوغندا مثل أنكولي، آروا، كيبولي، بومبو، قولو، آمبارارا، ليرا….الخ.
ورغم أن هناك وجود إسلامي في يوغندا قبل وصول النوبة السودانيين إلى أن كثير من الدراسات والوثائق تشير إلى الدور الكبير الذي لعبوه في نشر الإسلام في يوغندا عبر الاندماج والتصاهر في المجتمعات المحلية والتحالفات التي عقدوها مع الممالك المختلفة. وقد تملك النوبة الأراضي في مناطق محتلفة كافراد، كما كانت لهم ملكية جماعية في بعض المناطق، تم الاعتراف ببعضها بينما قامت السلطات المحلية في بعض المناطق بنزعها بسبب الجدل حول هوية النوبة وعدم الاعتراف بهم كمواطنين يوغنديين.
عندما استقلت يوغندا عام 1963 كان النوبة ذوو الأصول السودانية هم القوة الضاربة في الجيش اليوغندي، لهذا تخوف أول رئيس وزراء وهو الدكتور ميلتون أوبوتي من قوة نفوذهم، وبدأ في عمليات تجنيد واسعة من المجموعات المختلفة وتقليل وجود النوبة والبوغندا المسلمين. وقام أوبوتي بتعديل دستوري أبعد فيه الملك موتيسا وحول يوغندا لجمهورية، وحصر القوميات اليوغندية مستبعدا النوبة، بل وتسربت معلومات بأنه ينوي تهجير النوبة إلى السودان.
صعد الجنرال المسلم عيدي أمين لقيادة الجيش ، ثم قاد انقلابا على أوبوتي معتمدا على التحالف بين المجموعات النوبية في الجيش ومحموعات قبيلته “الكاكوا” من غرب النيل (1971-1979)، لكنه في أخريات حكمه انقلب على النوبة وقتل وشرد معظم قياداتهم وهرب بعضهم للمنفى.
انتهى نظام عيدي أمين بعد تدخل الجيش التنزاني داعما للقوات المشتركة للمعارضة اليوغندية، وعاش المسلمون اليوغنديون ، ومنهم النوبة، أسوأ أيامهم، فتعرضوا للقتل والتشريد والاغتصاب واستبيحت مناطقهم وممتلكاتهم وهدمت مساجدهم على يد القوات التنزانية واليوغندية المعارضة باعتبارهم كانوا حلفاء عيدي أمين، وفر 130 ألفا منهم إلى جنوب السودان، وارتفع العدد إلى مائتي ألف في بداية الثمانينات.
بعد الاستيلاء على حكم البلاد شكلت حركة التحرير الوطني والتي كان موسيفني من بين قياداتها الشابة، حكومة برئاسة يوسف لولي.
لكن لم تستقر الامور وجاءت عدة حكومات برئاسة بن عيسى، ملتون اوبوتي، وغيرهم.
تمرد يويري موسيفني على النظام الجديد وكون الحركة الوطنية للمقاومة، فيما قاد الجنرال موسى علي (مؤلف الكتاب) حركة التحرير الوطني التي كان عمادها من الجنود والضباط النوبة، وتحالفت الحركتان حتى اسقطت النظام وجاء موسيفني قائدا للنظام الجديد.
ومنذ عام 1986 تحسنت اوضاع النوبة السودانيين ورفعت عنهم المظالم، ثم اعترف بهم الدستور كقومية يوغندية لها كل الحقوق الوطنية.
الصور من اليمين: عيدي امين، الجنرال موسيس علي مؤلف الكتاب، على اليسار ملتون أوبوتي.
شكرا للاستاذين الزاكي ومحمد عثمان آدم على تصحيح بعض المصطلحات.