هذه قصّةٌ لا تحدث إلّا في السودان..
في الدويم، تلك المدينة الوادعة على ضفة النيل الأبيض، كان المساء يتجه نحو مباراة عادية في ظاهرها، إياب منافسات كأس السودان بين نادي الوطن الدويم وفريق الرابطة من منطقة 24 القرشي على ملعب استاد الدويم. مباراة كغيرها في جدول المنافسة، ينتظرها جمهور، ويتحضّر لها لاعبون، وتُسجَّل نتيجتها في دفاتر الاتحاد ثم تمضي الأيام..
لكن ما جرى حوّل المباراة إلى حكاية تُروى أكثر من أن تُحصى أهدافها.
قبل ساعات من صافرة البداية، علِم لاعبو نادي الوطن أن إدارة ناديهم قرّرت التنازل عن كامل دخل المباراة من أجل علاج أحد حكّام مدينة الدويم، رجلٍ أنهكه الفشل الكلوي وأثقل كاهله المرض. لم يكن ذلك القرار بالنسبة لهم خبرًا عابرًا. في بلدٍ يعرف أهله معنى السند حين تضيق الحياة، شعر اللاعبون أن الأمر لا يخصّ الإدارة وحدها.
عندها وُلدت الفكرة، بسيطة وعميقة في آنٍ معًا. قالوا: إذا كانت إيرادات المباراة ستذهب لعلاج الرجل، فلماذا لا ندخل نحن أيضًا مثل الجمهور؟ لماذا لا نكون جزءًا من هذا العطاء؟
وهكذا، قبل أن ينزلوا بقمصانهم على العشب، وقف اللاعبون عند بوابات الاستاد. صفٌّ صغير، يحمل كلٌّ منهم تذكرته التي اشتراها بماله، يمدّها لموظف الاتحاد مثل أي مشجّع جاء ليشهد المباراة. عبروا البوابات بهدوء، بلا ضجيج ولا إعلان ثم نزلوا إلى أرض الملعب. لم يكن المشهد استعراضًا، بل فعلًا بسيطًا يشبه روح الناس والمكان.
وحين علم حكّام المباراة بما فعله اللاعبون، لم يقفوا بعيدًا عن المشهد. تنازلوا بدورهم عن نصيبهم من عائد اللقاء لصالح علاج زميلهم، وكأن العدوى الجميلة قد انتقلت من قلبٍ إلى آخر.
في تلك اللحظة، بدت كرة القدم كأنّها تستعيد معناها الأول: لعبة تجمع الناس قبل أن تفرّقهم النتائج.
ثم جاءت المباراة. كان الوطن قد فاز في الذهاب بهدفين لهدف، وعاد في الإياب ليحسم اللقاء بهدفٍ نظيف.
لكن الانتصار الحقيقي لم يكن في النتيجة. فقد خرج الفريق من الملعب وهو يحمل شيئًا أكبر من بطاقة التأهل: محبّة الناس وتقديرهم.
قد تبدو الحكاية صغيرة في عالمٍ مزدحمٍ بالأخبار الكبيرة. لكنها تقول الكثير عن بلدٍ يتعب كثيرًا ولا يتخلى عن إنسانيته. فأهل السودان، رغم ما يمر به من ضيقٍ وعنتٍ وقسوة حياة، ما يزالون يحتفظون بذلك الخيط الخفي الذي يربط الناس ببعضهم.. خيط المروءة والتكافل.
ولهذا ربما يردّد الناس دائمًا إن السودان، مهما اشتدت عليه الأيام، يظل بلدًا يعرف كيف يصنع من أبسط المواقف دروسًا في الكرم والوفاء.
وهكذا انتهت المباراة بهدفٍ في الشباك.. لكنها بدأت بهدفٍ آخر في القلب..