مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع تزايدت مستويات الجوع وسط السكان بسبب أزمة نقص الغذاء نتيجة تراجع الإنتاج الزراعي في مناطق البلاد كافة، إضافة إلى توقف الأعمال اليومية لملايين الأسر، وكذلك لم يعد حتى كبار الموظفين في القطاعين العام والخاص قادرين على تلبية حاجاتهم المعيشية الأساس اليومية، بعدما فقدت رواتبهم أكثر من 80 في المئة من قوتها الشرائية.
وتشهد أوضاع سكان مناطق النزاع النشطة في السودان خصوصاً كردفان ودارفور والنيل الأزرق تدهوراً مخيفاً بات فيها شبح الموت جوعاً يطارد الآلاف، إذ يحصد سوء التغذية المزمن أرواح المئات نتيجة انعدام الغذاء، والحصول على وجبة واحدة في اليوم، وكذلك نفاد المدخرات المالية وعدم وصول المساعدات الإنسانية.
وجراء هذه الأوضاع تقضي عشرات الأسر في كثير من الأحيان أياماً كاملة من دون أي طعام، مما أجبرهم على اللجوء إلى أكل أوراق الأشجار وأعلاف الحيوانات من أجل البقاء على قيد الحياة.
أكبر أزمة جوع
في غضون ذلك، وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها “أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم”، مشيراً إلى أن أكثر من 19 مليون شخص من أصل نحو 45 مليون نسمة يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، في ظل استمرار النزاع وتداعياته الاقتصادية والإنسانية.
وأضاف أن “واحداً من كل أربعة سودانيين يعيش في فقر مدقع بأقل من دولارين في اليوم.
وتضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل ثلاثة أعوام، بحيث بات 70 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، بحسب ما أفاد الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان لوكا ريندا.
وأكد ريندا أن معدلات الفقر ترتفع إلى نحو 75 في المئة في مناطق تركز النزاع مثل إقليمي دارفور وكردفان.
وأفاد تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتراجع متوسط الدخل في السودان إلى مستوى لم يسجل منذ عام 1992، “بينما تجاوزت معدلات الفقر المدقع ما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي”.
وبحسب التقرير الذي أُعد بالتعاون مع معهد الدراسات الأمنية “قد تعيد الحرب اقتصاد السودان إلى مستويات ستينيات القرن الماضي”، مع احتمال ارتفاع معدلات الفقر المدقع إلى أكثر من 60 في المئة لتشمل 34 مليون شخص إضافي، في حال استمرار النزاع الحالي حتى عام 2030.
معاناة المواطنين
انهيار كامل
في السياق يقول الخبير في الأمن الغذائي عبد الرحمن الأمين يقول لمنصة “مشاوير” إن “الأزمة الحالية لم تعد مجرد أزمة نقص غذاء، وإنما انهيار كامل لمنظومة الحياة في مناطق واسعة من السودان.
وأضاف “الحرب أخرجت ملايين الناس من دائرة الإنتاج إلى دائرة الحاجة، المزارعون نزحوا، والمشاريع الزراعية توقفت، وكذلك الأسواق دمرت، والناس فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم، لذلك أصبح الحصول على وجبة واحدة يومياً تحدياً حقيقياً لآلاف الأسر.
ويشير الأمين إلى أن “استمرار القتال يعني دخول مناطق جديدة في دائرة المجاعة خلال الفترة المقبلة، بخاصة مع تعثر الموسم الزراعي وغياب أي مؤشرات حقيقية لإنهاء الحرب.
معاناة النساء والأطفال
من جهتها تقول الباحثة في المجال الإنساني آلاء محمد عثمان لمنصة (مشاوير) إن “النساء والأطفال هم الأكثر تضرراً من الأزمة الحالية، بخاصة داخل معسكرات النزوح التي تعيش أوضاعاً إنسانية قاسية.
وأضافت “هناك أسر لم تعد تملك أي شيء، الناس فقدوا المنازل والأموال والمحاصيل وحتى القدرة على الحركة، وبعض المعسكرات لا تصلها المساعدات الإنسانية لأشهر طويلة، كما أن المطابخ الخيرية نفسها أصبحت عاجزة عن تلبية الاحتياجات بسبب نقص التمويل والضغط الكبير.
وتابعت “خسر السودان ما يقدر بـ6.4 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي في عام 2023 وحده، مع شمول الفقر المدقع في العام نفسه نحو 7 ملايين شخص.
تعطل الزراعة
في المنحى ذاته، قال المتخصص في الشأن الاقتصادي آدم حامد الليقان لمنصة (مشاوير) إن “استمرار الحرب أسهم في تراجع الإنتاج الزراعي وتوقف أنشطة الرعي، وكذلك تسببت سياسات الحكومة الاقتصادية في ارتفاع نسب الفقر والبطالة، مع قفزات كبيرة في أسعار السلع والخدمات، مما جعل الأعباء تقع بصورة أكبر على الشرائح محدودة الدخل.
وأضاف أن “الصراع المسلح في مناطق النزاع دفع السكان لأتون المجاعة، نتيجة تعطل الزراعة، فضلاً عن استخدام التجويع سلاحاً في الحرب، بما في ذلك التدمير المتعمد للمزارع والأسواق.
وأوضح الليقان أن “المطابخ الخيرية التي يعتمد عليها القادمون من مناطق النزوح وسكان معسكرات الإيواء، باتت عاجزة بصورة متزايدة عن تلبية الحاجات المتنامية، خلال وقت تعوق فيه الخفوض الكبيرة في تمويل الجهات المانحة قدرة وكالات الإغاثة على الاستجابة للحالات الطارئة في إقليمي دارفور وكردفان.
وجبة واحدة
على صعيد متصل، أظهر تقرير نشرته مجموعة من المنظمات غير الحكومية أن “ملايين في السودان يعيشون على وجبة واحدة فقط يومياً، خلال وقت تتفاقم فيه أزمة الغذاء داخل البلاد وتتزايد المخاوف من انتشارها”.
وقال التقرير الصادر عن منظمة العمل ضد الجوع وهيئة “كير” الدولية ولجنة الإنقاذ الدولية ومنظمة “ميرسي كور” والمجلس النرويجي للاجئين، “في المنطقتين الأكثر نكبة بالصراع، شمال دارفور وجنوب كردفان، لا تتناول ملايين العائلات إلا وجبة واحدة في اليوم”.
وأضاف التقرير “في كثير من الأحيان يمضون أياماً كاملة من دون أي طعام”، مشيراً إلى أن كثراً لجأوا إلى أكل أوراق الشجر وأعلاف الحيوانات من أجل البقاء على قيد الحياة.