تقارير

غلاء الإيجارات يؤرق العائدين للخرطوم

مشاوير - تقرير: إشراقة علي عبد الله

تشهد العاصمة الخرطوم في مدنها الثلاث، الخرطوم وبحري وأم درمان، بصورة يومية تدفقات المواطنين العائدين لها من داخل البلاد وخارجها، لا سيما أن الحرب التي اندلعت في الـ15 من أبريل 2023، أجبرت ملايين السودانيين على مغادرة منازلهم من مناطق القتال. وحين استعاد الجيش العاصمة في مارس الماضي، إلى جانب عودة الحكومة من مقرها الموقت في بورتسودان لتستأنف مهماتها من الخرطوم، كان ذلك سبباً رئيساً في تزايد مؤشرات العودة غير المسبوقة، مما أدى إلى انتعاش سوق العقارات داخل العاصمة، بخاصة في مدينة أم درمان.

لكن ثمة مخاوف لدى السكان من أن العودة أسهمت في تصاعد أسعار إيجارات المنازل والشقق السكنية التي وصلت إلى مستويات قياسية، في ظل زيادة الطلب وندرة العرض، مما شكل ضغطاً كبيراً على المواطنين الذين يجدون أنفسهم أمام معضلة بلا رادع.

في حين أرجع اقتصاديون زيادة أسعار الإيجارات في العاصمة، بخاصة في النصف الأول من عام 2024 ووصولها إلى أعلى مستوى في شهر يونيو من العام الماضي، إلى ارتفاع معدلات التضخم وتهاوي الجنيه السوداني.

السؤال الذي يتبادر للذهن هل من آليات للحكومة وضوابط لمجابهة هذه التحديات وضبط سوق العقارات في ظل التطمينات المتكررة في العودة؟

بحث واستغلال

تقول المواطنة نجاة إبراهيم التي وصلت أخيراً إلى منطقة كرري في مدينة أم درمان، إن “العائدين لمناطقهم في العاصمة الخرطوم يشتكون ارتفاعاً كبيراً في أسعار الإيجارات السكنية وعدم توفرها، بخاصة في أم درمان التي تشهد معضلة حقيقية في إيجارات المنازل، إذ إن الأسعار ترتفع بصورة يومية لا يمكن أن يتصورها العقل، لا سيما أن إيجار منزل حتى لو كان صغيراً مرتفع للغاية، ولا يتناسب مع الظروف الحالية، إذ تنعدم موارد الدخل”.

وتابعت “هناك ما يشبه الاستغلال الآن من ملاك العقارات والسماسرة الذين نرى أنهم أساس المشكلة، إذ يقومون بعملية منظمة لرفع سعر الإيجارات وضمان حصولهم على فائدة كبيرة”.

وأضافت إبراهيم “عند اندلاع الصراع المسلح في العاصمة الخرطوم اضطررنا للجوء إلى مصر، وأثناء إقامتنا كنت أستغل جزءاً من الأموال التي تصل إلينا من بعض الأقرباء المغتربين في شراء بعض المستلزمات المنزلية، خصوصاً الأجهزة الكهربائية، تحسباً للعودة متى ما استقرت الأحوال في البلاد، إذ تنامى إلى مسامعنا أن الشراء من العاصمة يعد من المستحيلات بسبب الغلاء الفاحش، في ظل الوضع الاقتصادي الحالي الذي أسهم في ارتفاع الأسعار، بات يصعب معه تأسيس منزل مجدداً بعد نهب الممتلكات”.

وزادت تقول “من المؤسف، لدى اعودتنا اصطدمنا بواقع مخيف يهدد الاستقرار، مما قادني إلى بيع بعض الأثاث لدفع إيجار منزل صغير في ضاحية كرري لإيواء أسرتي المكونة من خمسة أفراد”.

وأشارت إلى أنها تمكنت من دفع مقدم شهرين بعد شد وجذب مع صاحب العقار للتنازل عن سداد ثلاثة أشهر، لافتة إلى أنها لا تعرف كيف ستدبر متطلبات الحياة مقارنة بالوضع قبل العودة، في ظل ارتفاع كلفة المعيشة في أوجهها كافة.

وناشدت المواطنة في ختام حديثها ملاك العقارات مراعاة الظروف الحالية التي يعاني معها المواطن محدودية مصادر الأرزاق، لا سيما الإيجارات في أم درمان التي تتراوح بحسب المنطقة ومدى توفر الخدمات الأساسية، إذ تبدأ من 500 ألف جنيه سوداني (ما يعادل 832 دولاراً) للمنزل الأرضي البسيط أو شقة صغيرة. ومن المستغرب خلال رحلة بحثي المضنية، العثور على شقة معروضة للإيجار مكونة من ثلاث غرف وصالتين بمبلغ مليوني جنيه سوداني (3.328 دولار أميركي)”.

العودة للوطن

مستويات قياسية

في السياق، أوضح أبو بكر عبدالرحمن، صاحب مكتب عقارات في مدينة أم درمان، أن “عودة المواطنين، منذ أن استرد الجيش العاصمة الخرطوم قبل أكثر من عام، أنعشت سوق العقارات، بخاصة مناطق أم درمان التي عاشت الهدوء النسبي. ومع توفر الخدمات تفاقمت أسعار الإيجارات، إذ وصلت إلى مستويات قياسية في ظل تزايد الطلب حتى فاقت قدرة المواطن البسيط”.

وأشار عبدالرحمن إلى أن “الإقبال على مدينة أم درمان يعود لأن مدينتي الخرطوم وبحري لا تزالان تعانيان نقص الخدمات، والغالبية العظمى من السكان خارج البلاد. لذلك أصبحت أم درمان وجهة للعائدين، مما أسهم في ارتفاع أسعار الإيجارات فيها بصورة ملاحظة”.

ولفت إلى أنه “بات من المعلوم أن مدينة أم درمان تعاني حالياً عدم توفر المساكن منذ بدء الصراع بسبب أنها كانت تستقبل النازحين الذين اختاروا الاستقرار وعدم النزوح، مما أدى إلى أن تكون ذات كثافة سكانية غير متوقعة”.

ونبه صاحب مكتب العقارات إلى أنه “في ظل تدفق النازحين، فإن المعروض الآن أسعاره مرتفعة، إذ وصلت الشقة التي تشتمل على غرفتين وصالة وحمام ومطبخ نحو 750 ألف جنيه سوداني (ما يقارب 1.248 دولاراً)، مع المطالبة بدفع ثلاثة أشهر في الأقل مسبقاً من دون مراعاة أحوال المواطنين”.

أزمة إنسانية

وفي الشأن، أكد الباحث الاقتصادي عبدالوهاب جمعة أن “الظروف الاقتصادية وتداعيات الحرب في السودان كانتا من أبرز التحديات التي جعلت من إيجارات المنازل مشكلة حقيقية في العاصمة الخرطوم، عقب الاستجابة لمناشدات الحكومة بالعودة”.

وأضاف المتحدث أن “أسعار المنازل والشقق أصبحت هاجساً يؤرق المواطنين، إذ تترافق مع تدني الدخل وانعدام فرص العمل حتى الآن، لا سيما أن الغالبية فقدت مقتنياتها ويصعب التأسيس في ظل موجة الغلاء الجنوني، مما أدى إلى أن يصبح كثر من العائدين عاجزين عن استئجار منازل وتوفير الأساسيات الملحة التي تضاعفت أسعارها بصورة مقلقة، فيما تعد أزمة إنسانية لا بد من معالجتها”.

وأوضح الباحث الاقتصادي “أن المغالاة في الإيجارات أجبرت المواطنين على التوجه للسكن في الأطراف بمنازل متهالكة، في حين يعتبر هذا الأمر عبئاً إضافياً عند التوغل داخل المدينة في ما يتعلق بتعرفة المواصلات في ظل أزمة الوقود، أو اللجوء إلى البيوت التي لا تزال مهجورة، أو اختيار الإقامة في معسكرات الإيواء التي أقيمت للنازحين من دارفور وكردفان، بخاصة الذين يعانون هشاشة اقتصادية”.

تدخلات رسمية

على نحو متصل، يوافق المحلل الاقتصادي محمد الناير رأي الباحث عبدالوهاب، بقوله “هناك بعض المفاجآت في ولاية الخرطوم بخصوص الإيجارات والأرقام الخيالية التي يضعها ملاك العقارات، إذ كانت التوقعات بعد الحرب أن تنخفض قيمتها”.

وأردف الناير “كان من المتوقع أن تكون الأسعار معقولة مع تدفق عودة المواطنين للخرطوم مع التدرج في الارتفاع، لكنها شهدت ارتفاعاً سريعاً، بخاصة المنازل الواقعة بالقرب من الأسواق والمرافق الخدماتية، عدا قلب الخرطوم الذي يعاني عدم وجود رؤية واضحة بعد أن منعت الحكومة السودانية وحداتها مزاولة مهماتها فيها”.

وواصل “في تقديري أن الأسعار المطروحة حالياً عالية ولا تتناسب مع أوضاع المواطنين، وبالتأكيد استثناء بعض المناطق في مدينة أم درمان مثل محلية كرري وضواحي الثورات النائية، فيما تشهد المناطق التي شهدت نزاعاً نشطاً، تصاعداً مستمراً في الأسعار بسبب إسهام الدولة في نهضتها”.

وأشار المحلل الاقتصادي إلى أن “الأمر يتطلب توازناً، إذ ينبغي أن يكون للدولة دور في ضبط الأسعار بصورة عامة، وعلى وجه الخصوص الإيجارات، من خلال وضع حد لأصحاب العقارات ومكاتب التوكيلات، إلى جانب الوسطاء. وباتباع هذا الأمر يكون تدخل الدولة غير مباشر، وفي الوقت ذاته لا يضر بسياسة التحليل الاقتصادي”.

ونوه إلى أن “تراجع العملة الوطنية وارتفاع معدل التضخم في سياق الحرب من أبرز الأسباب التي تجعل الإيجارات متصاعدة، بيد أن أي صاحب عقار يقارن القيمة الإيجارية بما يعادل النقد الأجنبي، على رغم أن المؤشرات الرسمية تؤكد استقرار وانخفاض التضخم في البلاد”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع