في ظل استقرار الأوضاع الأمنية ببعض الولايات مثل الخرطوم والجزيرة وسنار، بدأ كثير من النازحين العودة إلى ديارهم بعد رحلات فرار استمرت لأكثر من عامين داخل وخارج السودان.
وبين نوفمبر 2024 وحتى الشهر الماضي، عاد نحو 4 ملايين شخص إلى ديارهم، وبخاصة الخرطوم وولاية الجزيرة جنوب شرقي العاصمة، بحسب منظمة الهجرة الدولية.
أزمة خدمات
على رغم فرحة العودة ورغبة الملايين في الاستقرار بالسودان، لكن الآلاف منهم لا يزالون يفتقرون إلى الخدمات الأساسية ويعانون سوء الأوضاع، إذ لا يستطيعون الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والمياه والصرف الصحي، إضافة إلى انعدام فرص العمل والتنافس على الموارد، فضلاً عن الحاجة إلى الأوراق الثبوتية والاعتراف القانوني.
في السياق يقول عابدين فضل الذي عاد مع أسرته إلى ولاية الجزيرة لمنصة (مشاوير) إن “مدن الإقليم تحولت إلى مناطق للأوبئة والبعوض والحميات الغامضة، بينما يمثل البحث عن الأدوية المعدومة أمراً مكلفاً ومضنياً إذا وجدت، ومعظم المستشفيات القليلة العاملة مكتظة بالمصابين بحمى الضنك والملاريا.
وأشار إلى أن “المئات يفقدون القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، فضلاً عن انعدام فرص العمل وتوقف القطاعين الزراعي والصناعي نتيجة تداعيات الحرب، إلى جانب معاناة أصحاب الأمراض المزمنة الذين باتوا مهددين بالموت بسبب فقدان الأدوية المنقذة للحياة، خصوصاً علاج السرطان والسكري ومرضى الفشل الكلوي.
ولفت فضل إلى أن “مئات النساء داخل ولاية الجزيرة يعانين بشدة، وأن هناك حالات وفاة عدة سجلت بين السيدات بسبب سوء التغذية والتسمم وحمى الضنك والتيفوئيد، إلى جانب مضاعفات الولادة وحالات الإجهاض المتكررة.
عقبات وعراقيل
في سياق متصل، أوضحت منال مبارك العائدة إلى منطقة ود نوباوي أن “سكان أم درمان القديمة يعيشون الآن ظروفاً مأسوية، وغالبية الأحياء لا تزال تعاني الانهيار الشامل للبنية التحتية وفقدان الخدمات الأساسية، علاوة على الانفلات الأمني وغياب القانون، حتى بعد طرد قوات “الدعم السريع” واستعادة الجيش السيطرة على ولاية الخرطوم، إذ لا تزال بعض المجموعات المسلحة تمارس النهب والسلب وترهيب المواطنين في الطرقات.
وأضافت النازحة العائدة قائلة لمنصة (مشاوير) “لم تعد الحياة كما كانت، بل تحولت إلى رحلة كفاح يومية قاسية للحصول على الخدمات خصوصاً الكهرباء التي تعمل ساعات قليلة، أما ترتيبات كلفة المعيشة فهي غاية الصعوبة بسبب ارتفاع الأسعار بنسبة كبيرة بصورة يومية.
عودة يومية للمواطنين
وأردفت مبارك “تضع السلطات عقبات وعراقيل أمام عودة عدد من النساء للعمل في القطاعين العام والخاص، وكذلك ممارسة أنشطة تجارية أو مشاريع صغيرة، على رغم أن معظمهن يعيل أسراً ممتدة.
فقر وبطالة
أما علم الدين خضر الذي نزح منذ اندلاع الحرب إلى أوغندا، فقال لمنصة (مشاوير) “عدت لدياري في منطقة ود الحداد بولاية سنار للاستقرار بصورة نهائية والعمل في مجال الزراعة لتوفير حاجات أسرتي اليومية، لكن للأسف واقع الحال أصبح قاسياً للغاية بسبب تداعيات الصراع المسلح.
ونوه خضر بأنه “على رغم استقرار الولاية الأمني، فإن النشاط الزراعي لم يستعد مستواه السابق وتراجعت القدرة الإنتاجية على نحو واسع بسبب تعرض البنية التحتية للمشاريع لخسائر فادحة، شملت أنظمة الري والآليات، فضلاً عن عدم توافر التمويل اللازم، علاوة على شح الوقود وارتفاع أسعاره.
وبين أن “بعض الأسر فشلت في إلحاق الأطفال بالمدارس بسبب نفاد المدخرات المالية، ناهيك بالمعاناة اليومية لتوفير الغذاء والدواء.
تحديات عديدة
وأسفرت الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” التي دخلت عامها الرابع، عن مقتل عشرات آلاف الأشخاص، وتسببت بنزوح أكثر من 12 مليون شخص داخل البلاد، ودفعت أكثر من 4 ملايين آخرين للفرار إلى دول مجاورة، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة.
وأعلنت الأمم المتحدة، أن نحو 4 ملايين شخص عادوا طوعاً إلى ديارهم في السودان على رغم استمرار الحرب، محذرة من تحديات جسيمة تواجههم.
وتسعى المنظمة الدولية للهجرة إلى جمع 170 مليون دولار لخطة الاستجابة لأزمة السودان لعام 2026، لكن هذه الخطة لا تزال تعاني نقصاً في التمويل قدره 97.2 مليون دولار، وفق المنظمة.