مع استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الاقتصادية لغالبية السودانيين نتيجة توقف الأعمال اليومية وعدم صرف الرواتب بانتظام، لم تعد الحياة في معظم مدن ومناطق البلاد تُقاس بما تضيفه من تفاصيل، بل بما تستطيع أن تتنازل عنه مع ظروف شح الموارد، حيث تتقلص المساحات، وتُختصر الوجبات، وتُؤجل الحاجات، بينما تتغير ملامح اليوم العادي ليصبح سلسلة من محاولات البقاء أكثر من كونه روتيناً حياتياً.
وجراء هذه الأوضاع فقد غالبية السودانيين مصادر رزقهم ومنازلهم جراء التدمير والتخريب، وباتوا بقدر يسعون وراء توفير الحد الأدنى للعيش في ظل ارتفاع قياسي لأسعار السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية، في وقت تنفد فيه المدخرات المالية.
منازل منهوبة
في السياق يقول المواطن “عمر أحمد آدم” الذي يقطن منطقة الجميعاب في أم درمان لمنصة (مشاوير) إنه “عاد إلى منزله من رحلة النزوح، لكنه وجد فارغاً بعد نهب وسلب كافة أغراضه الشخصية، ولم يبقى له إلا الجدران.
وفي شأن الأوضاع الاقتصادية، أكد آدم أن “غالبية الأسر التي عادت إلى منازلها تعاني من أزمات عدة بخاصة توقف مصادر الدخل المحدود، علاوة على عدم وجود فرص عمل.
وأوضح أن “أحياء العاصمة تشهد تدفقات كبيرة مع عودة المواطنين إلى منازلهم بصورة شبه يومية، مما يتطلب من الحكومة توفير الحد الأدنى الممكن من الخدمات الضرورية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم لاستيعاب مطلوبات الأعداد الكبيرة العائدة إلى أم درمان وبحري والخرطوم، وبما يسمح لهم الاستقرار بصورة دائمة.
ارتفاع الأسعار
على الصعيد نفسه، يوضح التاجر محمود حسين الذي يعمل في سوق صابرين أن “هناك بضائع وأثاث تدخل الأسواق بأسعار مخفضة، وتجد رواج من الزبائن دون السؤال عن مصدرها، لكننا نعرف أنها منهوبة من منازل المواطنين.
وأشار في حديثه لمنصة (مشاوير) إلى أن “البضائع والمواد الغذائية متوفرة في الأسواق، لكن انهيار الجنيه السوداني في مقابل ارتفاع العملات الأجنبية أسهم في زيادة الأسعار إلى معدلات قياسية ليست في متناول سكان الخرطوم”.
ولفت حسين إلى أن “شح الوقود وارتفاع أسعاره أدى لزيادة أسعار نقل البضائع، مما فاقم الأوضاع المعيشية بصورة عامة، ومن ثم فإن التجار باتوا أمام خيارات صعبة للغاية.
معاناة المواطنين
مطالب ضرورية
من جانبه شدد حاتم الطاهر الذي يسكن غرب أم درمان على ضرورة توفير الخدمات الصحية العلاجية العاجلة بفتح المراكز الطبية والعيادات، وإعادة التيار الكهربائي وشبكات الاتصالات والإنترنت المرتبطة بكثير من الأنشطة الخدماتية، وتأمين إمدادات مياه الشرب ومعالجة مسألة مصادر الطاقة.
ونوه في حديثه لمنصة (مشاوير) بأهمية تذليل الصعوبات والعقبات التي يواجهها المواطنون في حياتهم اليومية، مع تعزيز الأمن والاستقرار في الخرطوم لاستيعاب أعداد العائدين المتزايدة ضمن برامج العودة الطوعية.
وطالب الطاهر السلطات بضرورة تأهيل المصانع المتضررة من أجل توفير فرص للعمل، علاوة على إجراء تسهيلات للتجار والحرفيين لاستئناف عملهم، إضافة إلى تحسين خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم.
أولويات ومطلوبات
على نحو متصل، يرى المتخصص في الشأن الاقتصادي صلاح بابكر، أن “توفير الحكومة للخدمات الأساسية بصورة عاجلة أمر يساعد في عملية التطور، فضلاً عن تحسين قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء وتحقيق الأمن بصورة عامة.
وقال في حديثه لمنصة (مشاوير) إن “عودة الحياة للخرطوم تمر عبر بوابة الخدمات وتوفير فرص العمل من خلال الأسواق وإعادة هندسة الهيكل الإنتاجي ومنح إعفاءات ضريبية استثنائية وإيقاف الجبايات حتى يتمكن العائدون من استئناف حياتهم الطبيعية، لأن الاستقرار مرتبط بتوفير فرص العمل والكرامة الاقتصادية.
ونوه بابكر بأن “العودة الواسعة المتوقعة للنازحين واللاجئين إلى ولاية الخرطوم خلال الفترة المقبلة ستشكل تحدياً ضخماً يؤدي إلى مزيد من تعقيدات الحياة، لأن القدر المتاح من الخدمات حالياً على رغم الجهود الحكومية لا يكاد يفي بمطلوبات الموجودين.