مقالات

خارطة طريق جذرية للقوى المدنية 

د. أحمد عثمان 

(1)

سبق أن عالجنا كيفية تنفيذ مشروع القوى الثورية التي أنجزت ثورة ديسمبر المجيدة، في مقالات ثلاث منشورة، بعناوين “كيف يوقف المدنيون الحرب؟” و” لا انتقال دون هدم وبناء” و “ما العمل ” و “في ماهية الانتقال وسلطته”.

ولكن لراهنية الأسئلة المهمة التي يثيرها موضوع تحالف القوى المدنية وخط التحالف السياسي وآليات التنفيذ، تصبح زيارة هذا الخط مجددا ضرورة ملحة، حتى لا يقال بأن ما كتبناه في مقالنا الأخير بعنوان (لا تحالف بدون تحديد العدو وعزله”، مجرد تهويمات نظرية تقود إلى عزلة مضادة، او تنظير صحيح دون آليات تنفيذ. ومثل هذا النشاط الذي يؤسس لوضع خارطة طريق للقوى المدنية، ينطلق من أسس مبنية على مشروع الثورة وشعاراتها، التي يعتبر العمل على تحقيقها هو الجذرية نفسها كما سبق أن أكدنا وفصلنا في مقالات سابقة.

وأساس هذه الخارطة ينطلق من أن تحديد عدو الثورة وعزله هو الأساس لأي تحالف، وأن التحالف لا بد أن يكون قاعديا لا فوقيا بين القوى التي أنجزت الثورة فعليا وملأت الشوارع وفتحت صدورها للرصاص، وأن وصول ممثليها إلى السلطة يقيم واجبهم في هدم النظام السابق وتحطيمه وإزالة آثاره لا الشراكة مع قواه الضاربة بشرعية ثورية تقصي القوى المعادية للثورة، وبناء دولة الانتقال بشرعية ديمقراطية شعبية أساسها برلمان الثورة الذي منعت قوى الثورة من تشكيله في فترة سلطة شبه المدنية الخاضعة لسيطرة عسكر الإنقاذ.

وبكل تأكيد لا يمكن وضع خارطة طريق لتحقيق أهداف الثورة دون أن نوضح مجددا كيف يوقف المدنيون الحرب.

(2)

فالمدنيون يستطيعون وقف الحرب وإلزام طرفيها بإيقافها، عبر اتخاذ ما يلي من إجراءات:

رفض الحرب علنا ورفض شرعنتها أو الانخراط فيها، وبالتالي حرمانها من اي بعد شعبي داعم لاستمرارها.

رفض التعبئة والتجييش والانخراط في صفوف أي من الطرفين، برفض تعبئة وأكاذيب المليشيا واستنفار الجيش المختطف أو مقاومته الشعبية المزعومة، وحرمان الحرب من وقودها البشري ودعمها السياسي المجتمعي.

التصدي لدعاية الحرب وفضحها ومنعها من التغلغل وسط الجماهير، ومحاصرة مزاعم الجنجويد حول دعم الديمقراطية والتحول الديمقراطي، مع فضح مزاعم المقاومة الشعبية المعلنة من قيادة الجيش المختطف والتفرقة بينها وبين حق الدفاع الشرعي عن النفس.

الرفض البات للانخراط في العمل العسكري أو في دعمه ودعم استمراره بأي صورة من الصور.

رفض التعاون مع سلطة الأمر الواقع غير الشرعية الناتجة عن انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م تحت كل الظروف، مع رفض التعاون مع مليشيا الجنجويد ومنعها من التحول إلى سلطة أمر واقع كذلك. أي حجب الشرعية عن الطرفين والاستمرار في هذا الحجب وتوفير مقوماته.

توفير مقومات الصمود للجماهير خارج إطار التعاون مع الطرفين المتحاربين، ومن خلال التعامل فقط معهما كسلطة أمر واقع، وذلك عبر تكوين مؤسسات الصمود بداخل وخارج البلاد حتى تتمكن الجماهير من إعادة تنظيم نفسها.

بناء جبهة الجماهير القاعدية وتكوين سلطتها السرية، التي تعمل كسلطة شرعية بديلة تكرس واقع جديد ما بعد الحرب، قوامه طرد الطرفين من المعادلة السياسية، وقيادة الجماهير لإسقاط أي سلطة أمر واقع تنتج عن الانتصار الكامل في الحرب أو التسوية بين الطرفين المتحاربين.

القيام بفعل سياسي فاعل داخل وخارج البلاد، يلزم المجتمع الدولي بالضغط من أجل ايقاف الحرب ومنع رسملة نتائجها سياسيا، ورفض الاعتراف بأي سلطة تنتج عن الانتصار أو التسوية، مع الاعتراف بسلطة الجبهة القاعدية كبديل جماهيري مدني للطرفين المتحاربين.

تجهيز تكتيكات وآليات العمل المجربة لاستخدام العصيان المدني والإضراب السياسي العام، لإسقاط أي سلطة أمر واقع قادمة تنتج عن انتصار او تسوية. وهنا لا بد من التنويه إلى أن هذه الأدوات مازالت صالحة لإسقاط الحكومات، لا لوقف الحرب، إلا في حال أنها رمت إلى إسقاط سلطة الأمر الواقع الراهنة وفرض إرادتها كسلطة بديلة على الطرف الآخر للحرب، وتعقيدات مثل هذا الافتراض كثيرة.

(3)

فالانتقال لا يتم إلا عبر تفكيك وإزالة التمكين، وتحقيق شعار ثورة ديسمبر المجيدة لبناء دولة جميع المواطنين، باعتبار أن “الثورة خيار الشعب، حرية سلام وعدالة ” وأن “الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل”.

وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بفهم أن الثورة عملية هدم بشرعية ثورية، وبناء بشرعية ديمقراطية. والهدم في حالتنا الماثلة لا يتم إلا في ظل سلطة مدنية كاملة، لا وجود لعسكريين فيها، وخصوصا جنرالات النظام السابق الواجهة والمختطفين الجيش لمصلحة الجماعة المصنفة كمنظمة إرهابية، وإخضاع الجيش لها إخضاعا كاملاً، بحيث تقوم بإعادة هيكلته وبنائه من جديد، ليصبح أداة فاعلة يواكب إعادة هيكلتها حل مليشيا الجنجويد الإرهابية لا دمجها في الجيش الجديد. فالمدخل لأي انتقال هو إعادة هيكلة الجيش من قبل سلطة مدنية خالصة تمثل الثورة ممثلة في الجبهة القاعدية، والسيطرة عليه وعلى اقتصاده الموازي، وحل جهاز أمن الجماعة المسمى الأمن الوطني زوراً وبهتانا، مع حل المليشيا الإرهابية أيضاً، بوصف أن هذا الثلاثي هو القوة العسكرية والأمنية الضاربة للتمكين، الحامية له والمانعة من أي تحول أو انتقال.

فإجراء الهدم هذا ضرورة حتمية لحدوث أي انتقال، وتجربة ما بعد انقلاب القصر والوثيقة الدستورية المعيبة تؤكد ذلك، وتوضح أن الإبقاء على جهاز أمن الإنقاذ ليصبح عين سلطة الانتقال الوهمي، وشراكة الدم مع الجيش المختطف بدلا من إعادة هيكلته بعد إخضاعه لسيطرة قوى الثورة، وإدخال المليشيا المصنوعة لقتل المواطنين في الشراكة، لن يؤدي لأي انتقال بل سيقود إلى احتواء الثورة ومنع الانتقال توطئة لتصفية الثورة وتثبيت التمكين لا إعادته كما يتردد. لذلك أي مبادرة تشتمل على وجود أي جسم عسكري في السلطة، هي مبادرة لمنع الانتقال لا لصنعه.

والتلويح بأن الانتخابات من الممكن أن تصبح أداة للانتقال قبل تفكيك كامل للنظام بإرادة ثورية انتقالية تصنع عدالتها وفقا لشروطها، هو دفاع كامل عن التمكين قولا واحداً.

فالانتخابات لا تصبح وسيلة انتقال أو تحول إلى دولة ديمقراطية في ظل دولة يشارك في إدارتها عسكر التمكين، وجهاز أمن التمكين، ومليشيا التمكين، ولا يمكن أن تقود لانتقال ومن يديرها هو أجهزة التمكين من الخدمة المدنية المختطفة والأجهزة العدلية المسيسة والمسيطر عليها من قبل المنظمة الإرهابية.

فقبل قيام أي انتخابات، لا بد من إخراج الجيش من السياسة وإعادة هيكلته، وإخراجه مع جهاز الأمن من دائرة النشاط الاقتصادي، وإعادة جميع شركاتهما إلى وزارة المالية لحكومة مدنية خالصة، واستعادة الأموال التي تحت حوزتهما لخزينة الدولة، وحل مليشيا الجنجويد الإرهابية واستعادة الأموال التي تحت إيديها أيضاً، حتى لا تتحول الأموال لأموال انتخابية لشراء الأصوات، ولا تتحول السيطرة على الأجهزة العسكرية والأمنية والخدمة المدنية لأداة في يد المنظمة الإرهابية أمريكياً وواجهاتها وتوابعها والقوى المنقسمة عنها للوثوب إلى السلطة وإعادة تدوير التمكين بوجوه جديدة.

فاستعادة الأموال المنهوبة وتهديم الاقتصاد الموازي الذي بنته المنظمة المذكورة وتفكيك شبكاته المحمية أمنياً وعسكرياً، شرط أولى لنجاح أي تحول ديمقراطي عبر الانتخابات، والتلويح بالانتخابات قبل تحقيقه، يعني دعوى للانتخابات في ظل نظام شمولي متمكن اقتصادياً مهما كانت الواجهات التي تقود العملية الانتخابية، التي ستكون مجرد نسخة محسنة ومموهة من انتخابات المخلوع.

وفوق ذلك وبالإضافة إليه، لقيام انتخابات تقود لانتقال، لا بد من وجود أجهزة عدلية مستقلة تحمي هذه الانتخابات وتراقبها، وخصوصا من ناحية قضائية. فبدون فك ارتباط القضاء بالمنظمة الإرهابية أمريكياً وتكوين قضاء مستقل، سنصل إلى فضيحة تمرير انتخابات نظام شمولي، وأحكام قضاء شبيهة بأحكام إلغاء قرارات لجنة ادإزالة التمكين بالمخالفة الإجرائية الواضحة لصريح نصوص القانون.

فقبل قيام أي انتخابات، لا بد من بناء قضاء مستقل بشرعية ثورية، تقصي – نكرر تقصي- كافة قضاة الإنقاذ، وتبني الهيئة القضائية من جديد بعد أن تم تخريبها تماماً.

وهذه المهام بالحتم تحتاج لفترة انتقالية طويلة، تحكم فيها الجبهة القاعدية التي تمثل قوى الثورة، وتشرع القوانين التي تمكنها من تفكيك التمكين وإزالته عبر هيئة تشريعية تكونها من عناصرها في بداية فترة الانتقال هي بالحتم غير منتخبة ومكونة بشرعية ثورية تقصي التمكين.

وبدون ذلك يصبح الحديث عن انتقال عبر الانتخابات مجرد استهبال سياسي يهدف لتثبيت التمكين وتعويم النظام المتهالك للمنظمة الإرهابية أمريكياً، وإعفاء المجرمين من المحاسبة عبر تأجيل العدالة إلى ما بعد الانتقال!

(4)

بدون تكوين الجبهة القاعدية من القوى التي أنجزت الثورة، لا يمكن تنفيذ برنامج الثورة والحفاظ على الانتقال لإنجاز التحول الديمقراطي.

وهذه الجبهة تقوم على أن الثورة نقابة ولجنة حي، وهذا ما أثبتته ثورة ديسمبر المجيدة. لذلك أساس هذه الجبهة هو لجان المقاومة الواجب توحيدها وإعادة تأهيلها بالأخذ في الاعتبار آثار الحرب، والنقابات الفئوية المستقلة التي تناضل في ظروف صعبة كنقابة المعلمين صاحبة الإضراب المتحدي حالياً، والنازحين في المعسكرات، ومنظمات المجتمع المدني كمنظمة أسر الشهداء، والأحزاب السياسية الراغبة في دخول التحالف مع إقرار بأن جوهر وقيادة هذا التحالف للجان المقاومة والنقابات المستقلة. وتكوين هذه الجبهة عمل مستمر يستلزم الاستكمال، تمثله أساسه الآن قوى التغيير الجذري.

وهي تبنى في ظل الصراع وإنتاج الخط السياسي السليم انطلاقاً من الإمساك بقضايا الجماهير. ولا بد بالطبع من الاستفادة من التحالفات الفوقية للقوى المدنية كداعم لهذه الجبهة إن رغبت في دعمها، بشرط عدم تسليمها قيادة العمل والنشاط، لثبوت إصلاحيتها ورغبتها المستدامة في إعادة تدوير النظم السابقة عبر الشراكة مع العدو.

وهذه الجبهة لا بد لها من لائحة تنظم عملها وتسمح بإدارة الصراع داخلها، وتلزمها بالاحتكام للجماهير عبر الشفافية في طرح ما يدور من صراعات داخلها وإلزامها بنشرها، حتى تحافظ على وحدتها بضغط الجماهير والعمل المباشر وسط حركة الجماهير، بكافة أدوات العمل الجماهيري الفوقي والتحتي، المجربة لدى شعبنا، في جبهة الدعاية والتواصل مع حركة الجماهير في أحيائها وأماكن عملها، سرا وعلانية.

وظواهر مثل إضراب المعلمين واحتجاجات مناطق عبري وغيرها على انقطاع التيار الكهربائي، تؤكد وجود أساس سليم لعمل الجبهة القاعدية، وفاعلية لأدواتها.

وهذه الجبهة حتما ستواجه بسؤال كيفية التعامل مع المجتمع الدولي باعتبار أن قضية بلادنا تم تدويلها بشكل واضح بعد اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة ونشوب الحرب.

وموقف الجبهة يقوم على تفادي مقاطعة المجتمع الدولي، مع رفض الانخراط الكامل في مشروعه الذي لا ينطلق من مصالح شعبنا. وذلك بقبول ما يفيد شعبنا من نشاطاته، ورفض ما عدا ذلك.

فمثلا يجب قبول ضغطه على طرفي الحرب لإيقافها، وعمله على حماية المدنيين ووصول الإغاثة للمتضررين، مع رفض أي عملية سياسية تركب على ذلك من أجل إعادة إنتاج شراكات الدم وعدم عزل طرفي الحرب وإخراجهم من المعادلة السياسية. فالجبهة تنطلق من برنامج الثورة تحت شعار “لا للحرب ونعم للثورة”، وتبني تحالفاتها وتعاملها مع المجتمع الدولي على هذا الأساس دون مواربة.

وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع