مقالات

شأن السودان فيما لم نره الي الآن؟!

الجميل الفاضل

ليست الأوطانُ حروفًا تُكتب في دفاتر الجغرافيا، ولا حدودًا يرسمها الساسة على خرائط الرمل.

إنها، في سرِّها العميق، كلماتٌ نطق بها القدر، ثم أودعها خزائن الغيب، حتى إذا جاء ميقاتها، ناداها باسمها لتجيب.
والسودان، ليس استثناءً في أمر كهذا، إنما هو كلمةٌ تمشي على قدمين؛ آيةٌ تبحث عن قارئها؛ وشجرةٌ كلما ظن الناس أنها احترقت، خرجت من رمادها أكثر اخضرارًا.

حين يتأمل عارف، اسم السودان، لا يقرأ حروفًا صامتة، بل يسمع موسيقى الأعداد وهي تتعبد في محراب علم الحرف، (121).

إن مقابل السودان في هذا العلم المكنون، ليس رقمًا فقط، إنه قوسٌ يبدأ بالواحد، وينتهي بالواحد، وفي قلبه تستقر شعلة الواحد والعشرين؛ كأن البداية احتضنت النهاية، وكأن النهاية لم تكن إلا رجوعًا إلى البداية.
إنها هندسة الرجوع، هندسةالعودة من الفرع إلى الأصل.

ثم يذوب هذا البناء ثلاثي الأرقام كله في الرقم أربعة؛ الرقم الذي يشبه الجبل حين يصلي، ويشبه الأرض حين تثبت تحت أقدام العواصف.
أربعة هي: عدد الجهات التي يفتح الله منها الأفق.

وعدد الأركان التي لا يقوم البيت إلا بها.
وبالتالي فإن السودان، مهما تكسرت جدرانه، يحمل في أعماقه سرَّ الثبات الذي لا تراه الأبصار، ولكن تعرفه مثل هذه السنن.

ثم تأتي الدهشة الأخرى، فهذه المائة والواحد والعشرون ليست إلا أحد عشرًا يعانق أحد عشر، حيث يولد رقمٌ يشبه المنصة.

وكأن البعث إذا صدق، لا يولد مرة، إنما يتضاعف.
وكأن هذا الوطن كُتب عليه أن يكون كل سقوطٍ فيه سلّمًا إلى قيامٍ أعلى.
وكل احتراقٍ فيه، مخاضًا لفينيقٍ جديد.

وكل موت فيه، بروفةً أولى للحياة من جديد.

وحين نحمل هذا السر إلى المصحف، لا لنُكره النص على ما نريد، لكن لنستنطق إشاراته في حدود التأمل، يقودنا الطريق إلى “سورة الأنعام”.
السورة التي نزلت دفقةً واحدة، يواكبها سبعون ألف ملك، كأنها صخرة نور هبطت من السماء.

ولو أننا وقفنا عند الآية السادسة منها، شعرنا أن الزمن قد انطوى، وأن القرآن لا يروي حكاية للغابرين وحدهم، إنما هو يوقظ النائمين في كل عصر.

﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ، وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا، وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ، فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ، وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.

يا لها من آية كأنها مرآة،سماءٌ مدرار، ونيلٌ يجري تحت الأقدام، وأرضٌ ألبسها الله ثوب التمكين، ثم جاءت الذنوب، لا لتطفئ النيل، لكن لتطفئ إنسانها نفسه.

فالخراب لا يبدأ حين تسقط المدن، لكنه يبدأ حين يسقط الضمير.

ولا تنهزم الأوطان يوم تُقصف، لكن يوم تتحول الحقيقة فيها إلى سلعة، ويتحول العدل إلى شعار، والوطن ذاته إلى غنيمة.
هناك فقط يبدأ الانهيار، قبل أن يسمعه التاريخ بسنوات.
غير أن القرآن لا يترك القلوب معلقةً هكذا على خشبة المأساة.

فالسماء لا تختم آياتها بالعدم.
ولهذا جاءت هذه الآية كالفجر بعد ليلٍ طويل:
﴿وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.

الا ما أوسع هذه البشارة، التي هي ليست مجرد ولادة جيلٍ جديد، لكنها تلمح لولادة ميزانٍ عدل جديد، ووعيٍ جديد، وقلبٍ جديد.

فالقرون لا تتغير بالأعمار، إنما بالأفكار.
ولا تُقاس بالسنين، إنما بما يشرق فيها من ضياء.
علي أية حال، سيجيء ذلك القرن، لا كحلام الشعراء، ولا كاماني المكلومين.

سيعود كسائر السنن التي تأتي مع تعاقب حركة دوران الحياة.
بعد كل طوفان سفينة، وبعد كل يوسف بئرٌ يفضي إلى عرش، وبعد كل كربلاء فجر لا محالة قادم.

فيا أهل السودان، لا تقيسوا أعمار الأوطان بساعات الحرب.
وللحقيقة فالليل، مهما استطال، لا يستطيع أن يؤجل الفجر.
والبذرة لا تموت حين تُدفن، لكن بدفنها ستبدأ دورة أو رحلة حياة جديدة.

وها هو السودان اليوم مدفونٌ في تراب المحنة، لا ليُنسى، لكن لينبت.
إنه يمر بعبور هذه الآية، لا بعبور الفناء.

ويجتاز نار الامتحان، لا نار النهاية.
فالخالق الذي كتب اسمه بين الواحد والواحد، أراد أن يعلمنا أن كل رحلةٍ تنتهي إليه، وأن كل تيهٍ صادقٍ يعود إلى نقطة النور الأولى.

المهم سيقوم السودان، لا لأن السياسة وعدت بذلك.
ولا لأن القوى الكبرى رضيت عنه.

لكن لأن السنن لا تعرف التحول والتبديل.

ولأن الأرض التي حملت النيل في عروقها، لا يليق بها إلا أن تحمل النور في مستقبلها.

فحين يطلع القرن الآخر، لن يكون الحال انتصارًا لجماعةٍ على جماعة، إنما انتصار للصدق على الزيف، وللعدل على الغلبة، وللإنسان على وحشه القديم.
وعندها فقط، سيفهم الجميع أن الخراب لم يكن خاتمة الرواية، لكنه كان الفصل الأخير من زمنٍ مضي وانقضى، وأول سطر لعهد جديد مرتقب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع