ليست قيمة أيام ملاحم النضال الجماهيري السلمي الكبرى فيما تشهده من حشود، بل فيما تتركه وراءها من أثر في الوعي وحركة التاريخ. فالحشود تنفضّ والهتافات يخفت صداها والوقائع تستقر في الأرشيف، ومع ذلك فإن أحداث بعض الأيام تنجو من أسْرِ زمنها لتغدو جزءاً من الذاكرة التاريخية للشعوب .. ومن هذا المنظور، لا تكمن أهمية الثلاثين من يونيو ٢٠١٩ في كونه يوماً استثنائياً في مسار الثورة السودانية فحسب، بل في كونه كشف عن الإمكانات الكامنة في المجتمع، وعن الحدود التي اصطدمت بها تلك الإمكانات حين انتقل زخمها من المجال الجماهيري إلى المجال السياسي الذي تديره النخب.
في الثلاثين من يونيو ٢٠١٩، خرج ملايين السودانيين إلى الشوارع والساحات ولمَّا يجف ماءُ الوداع الأخير الذي نثروهُ على تراب قبور شهدائهم في مجزرة فض الاعتصام في محيط القيادة العامة .. فبعد أسابيع من الأمل الذي مثّله ذلك الاعتصام وأيام قليلة من الصدمة التي خلّفتها تلك المجزرة، بدا وكأن العنف قد فرض منطقه على المجال العام، وأن الرهان على التغيير قد تلقّى ضربة يصعب تجاوزها .. كان المقصود من الرصاص أن يدخل الجماهير في دائرة الخوف، وأن يقنعهم بأن كلفة الحلم أعلى من قدرتهم على الاحتمال. غير أن ما جرى في ذلك اليوم كشف عن حقيقة مغايرة؛ إذ خرجت الجماهير لتؤكد أن الحلم بالحياة الكريمة لا يموت، وأن الإرادة العامة الموحدة لا تهزمها القوة المادية، وأنها قادرة – في لحظات فارقة – على المبادرة والإمساك بعجلة التاريخ حتى في مواجهة أكثر الوقائع قسوةً ووحشية.
لم يكن ما حدث ٣٠ يونيو مجرد محطة احتجاجية أو استعراضاً للقوة الجماهيرية، بل لحظة استعاد فيها السودانيون ثقتهم بقدرتهم على الفعل الجماعي من أجل حراسة ثورتهم، ولصالح تصور أوسع للوطن قوامه الحرية والسلام والعدالة، مهتدين بالسَّطْع الدَّامي الذي تدفق من شرايين الشهداء .. وكان جوهر ما حدث في ذلك اليوم تأكيداً على أن الشرعية تُستمد من الإرادة العامة لا من فوهة البندقية.
لكنَّ التاريخ لا يحتفظ بتسجيل أحداث الأيام المشرقة فقط؛ بل يختبر قدرتها على التحول إلى مشروع. وهنا تبدأ المسافة الفاصلة بين الحشد والمشروع .. فالحشود تستطيع أن تفتح أبواب التاريخ، لكنها لا تستطيع وحدها أن تدير ما يترتب على فتحها. ذلك شأن السياسة حين تكون امتداداً للرؤية، وشأن المؤسسات حين تكون وعاءً للإرادة العامة، وشأن النخب حين تكون قادرة على الارتفاع إلى مستوى اللحظة التاريخية. أما حين تعجز هذه الأدوات عن أداء دورها، فإن الزخم الجماهيري يفقد قدرته على التحول إلى منجز مستدام.
يسجل تاريخ التجربة السودانية أن الجماهير بدت، في لحظات فارقة من مسيرتها النضالية ضد الاستبداد والفساد والحروب، أكثر اتساعاً في خيالها الوطني واستطاعت أن تبلور أهدافاً مشتركة وتنتج خطاباً جامعاً تتجاوز به منطق الاستقطاب والانقسامات لصالح وحدتها، بينما أخفقت القوى السياسية – بدرجات متفاوتة – في تحويل ذلك الرصيد الرمزي والأخلاقي إلى مشروع بناء وطني جديد. وهكذا اتسعت الفجوة بين ما استطاعت الجماهير أن تتخيله، وما استطاعت السياسة أن تنجزه.
من ناحية أخرى، فإن اختزال ٣٠ يونيو في مآلاته السياسية اللاحقة ينطوي على قدر من الظلم للتجربة نفسها. فالأحداث التاريخية الكبرى لا تُقاس فقط بنتائجها المباشرة، وإنما أيضاً بما تكشفه من طاقات كامنة في المجتمعات .. لقد أثبت ذلك اليوم أن السودانيين قادرون على إنتاج فعل جماعي يتجاوز الخوف والانقسام، وأن المجال العام يمكن أن يتحول إلى فضاء لتشكيل وعي وطني جامع لا مجرد ساحة للتنافس على السلطة أو أية مغانم صغيرة ضَعُفَ فيها الطالب والمطلوب. وهذه حقيقة لا تمحوها تعثرات الانتقال، ولا تلغيها الحرب التي دفعت البلاد إلى واحدة من أشد مراحل تاريخها الحديث إيلاماً.
إن ما يمنح ٣٠ يونيو قيمته التاريخية ليس فقط أنه جسّد قيمة الوحدة الجماهيرية وسلمية الأدوات النضالية، بل أنه أثبت أن الإرادة العامة قادرة على تحدي العنف المفرط والانتصار للمعنى الوطني المشترك .. واليوم، فيما تواجه البلاد واحدة من أخطر أزماتها الوجودية، تبدو الحاجة إلى استعادة تلك الروح أكبر من أي وقت مضى؛ لا لاستعادة حدث تاريخي سابق، وإنما لاستعادة الثقة في قدرة السودانيين في الانتصار للسلام في مواجهة دعاة استمرار الحرب ومنطق التشظي. فكما استطاع السودانيون أن يحموا أفقهم الثوري من الانكسار أمام الرصاص، فإن التحدي المطروح أمامهم اليوم هو استعادة وحدة الإرادة الوطنية القادرة على خلاص بلادهم من كارثة الحرب ومخاطر التقسيم. ذلك أن شرط انتصار الشعوب على التحديات الكبرى، وانتقالها من مستنقع الحروب إلى رحاب السلام، هو قدرتها على الانتصار على انقساماتها الداخلية، وفتح الطريق لحوار نقدي صريح وشجاع، يفضي لتوافقها حول مبادئ مشتركة ويحشد طاقتها لبناء الوطن الذي يسع الجميع بشروط الحياة الكريمة.