أثار رفض الوفد السوداني خلال جلسة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف التعاون مع بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان جدلاً واسعاً للخطوة.
واعتبر الوفد أن “البعثة أُنشئت من دون أساس قانوني ملزم للدولة.
في المقابل، دعت دول ومنظمات حقوقية إلى تمكين المحققين من الوصول إلى الضحايا والشهود، معتبرة أن ذلك ضروري لتوثيق الانتهاكات.
رفض متجدد
وتجدد الجدل في مايو 2026 بعد اعتماد بعثة الأمم المتحدة واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب “إعلان بانجول”، الذي دعا جميع أطراف النزاع إلى التعاون مع آليات التحقيق، وتسهيل وصول المحققين إلى الضحايا، وحماية الأدلة.
ويعود الخلاف إلى أكتوبر 2023، عندما أنشأ مجلس حقوق الإنسان بعثة دولية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات المرتكبة منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
ورفضت الحكومة السودانية القرار منذ صدوره، وقالت إن البعثة أُنشئت من دون موافقتها، لذلك لم تمنح أعضاءها تأشيرات دخول أو تصاريح للعمل داخل البلاد.
وخلال جلسات المجلس، واصل الوفد السوداني التأكيد على أن ولاية البعثة لا تستند إلى أساس قانوني، بينما ترى الدول الداعمة للقرار أن استمرار الحرب والانتهاكات يتطلب تحقيقاً مستقلاً.
وتكرر الخلاف بعد مناقشة تقارير عن الأوضاع في الفاشر خلال عام 2025، إذ اعترض الوفد السوداني على تكليف البعثة بإجراء تحقيق عاجل، معتبراً أن القرار لا يرتب أي التزام قانوني على الحكومة.
الرواية الرسمية
وتقول الحكومة إن اعتراضها يتعلق بطريقة إنشاء البعثة واختصاصاتها، وليس بمبدأ التحقيق في الانتهاكات.
وترى أن قرار مجلس حقوق الإنسان وضع القوات المسلحة السودانية وقوات “الدعم السريع” ضمن إطار تحقيق واحد، وهو ما تعتبره مخالفا لطبيعة النزاع، كما تؤكد أن هناك آليات وطنية، إلى جانب المكتب القطري للمفوضية السامية لحقوق الإنسان والخبير المعني بحقوق الإنسان في السودان، يمكنها متابعة هذه الملفات.
وفي بيان رسمي، انتقدت بعثة السودان لدى الاتحاد الأفريقي “إعلان بانجول”، واعتبرت أنه يفتقر إلى السند القانوني، مطالبة بأن تُجرى أي تحقيقات بالتعاون مع المؤسسات العدلية السودانية وداخل البلاد.
دعوة للتعاون
في المقابل، دعا “إعلان بانجول” إلى إجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المنسوبة إلى القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والجماعات المتحالفة معهما، كما طالب جميع الأطراف بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة واللجنة الأفريقية، وتأمين وصول المحققين إلى الضحايا والشهود، وحماية الأدلة، إلى جانب وقف الهجمات على المدنيين والمنشآت المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم المحكمة الجنائية الدولية، وإنشاء آلية أفريقية للمساءلة.

التعاون لا يضعف موقف الحكومة
ويرى الخبير القانوني السوداني نبيل أديب أن استمرار رفض التعاون مع بعثة تقصي الحقائق لا يخدم موقف الحكومة.
وقال إن “التعاون مع البعثة لا يعني القبول بنتائجها، بل يتيح للسلطات تقديم أدلتها والرد على الاتهامات.
وأضاف أن الحكومة، إذا كانت تطالب بمحاسبة قوات الدعم السريع، فمن مصلحتها التعاون مع الجهات التي توثق الانتهاكات.
وأوضح أن “مجلس حقوق الإنسان يختلف عن المحكمة الجنائية الدولية، فالأول يراقب أوضاع حقوق الإنسان، بينما تختص الثانية بملاحقة المسؤولين عن الجرائم الدولية.
من جانبه، قال خبير حقوق الإنسان في جنيف عبد الباقي جبريل : إن السماح للمحققين بدخول السودان يمنح الحكومة فرصة لعرض روايتها مباشرة، بدلا من اعتماد البعثة على شهادات جمعت خارج البلاد.
التحقيقات مستمرة
وتقول منظمات حقوقية إن منع دخول المحققين لم يوقف عمليات التوثيق، ففي بيان إلى مجلس حقوق الإنسان، اعتبرت لجنة العدالة أن الهجمات على مدينة الأبيض في يونيو 2026 تؤكد ضرورة استمرار ولاية بعثة تقصي الحقائق وتعزيز مواردها، وأن دور المفوضية السامية لحقوق الإنسان يجب أن يكمل عمل البعثة لا أن يحل محلها.
وتعتمد البعثة حالياً على مقابلات مع اللاجئين والنازحين، وصور الأقمار الصناعية، وتحليل المقاطع المصورة، والمصادر المفتوحة، إلى جانب معلومات تقدمها منظمات إنسانية.
رواية غائبة
وقال دبلوماسي سوداني سابق، فضل حجب اسمه، لـ”مشاوير”، إن التعاون مع لجان تقصي الحقائق لا يعني الإقرار بنتائجها، بل يمنح الحكومة فرصة لتقديم روايتها الرسمية ووثائقها وأدلتها أثناء التحقيق.
وأضاف أن “عدم التعاون يضعف قدرة الدولة على التأثير في مسار التحقيق أو الطعن في استنتاجاته لاحقا، مشيرا إلى أن دولاً عديدة تعاونت مع لجان دولية مع احتفاظها بحقها في رفض نتائجها.
وبينما تواصل الحكومة رفض الاعتراف بولاية البعث تؤكد الامم المتحدة ومنظمات حقوقية أن التحقيق فى الانتهاكات يجب أن يشمل جميع أطراف النزاع وفق قواعد القانون الدولى الإنساني.
وفى المقابل تواصل بعثة تقصى الحقائق جمع الادلة من خارج السودان فى ظل استمرار الخلاف حول آلية التحقيق والتعاون.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع