ما زلتُ مثلي عند دائك أجلسُ
نفِدَ الدواءُ وأنت مثلُك أخرسُ
يا أيها الوطنُ الكبيرُ بصمتِه
أيّانَ يؤلمُكَ السكوتُ وتهمسُ
قِبَلًا تقطّعُكَ السكاكينُ المعقّمةُ الجهاتِ
كأنَّ جسمَكَ مقدّسُ
وتلومُ شعري حين مسَّكَ ليس لي
ألمٌ سواكَ فأنتَ مَن أتحسَّسُ
هربَ الحمامُ مِن اختبائك
بينَ أغصانِ القنوطِ
وظلَّ بومُكَ يحرسُ
والنخلُ ماتَ
وطينُ حبِّكَ لم يعدْ يرتادُهُ
زَعَلًا عليكَ النرجسُ
ما زلتَ تلميذًا تُغيِّبُكَ المدارسُ
كلما حانَ امتحانُكَ تنعسُ
وحقيقةُ الميناءِ أنكَ ما فهمتَ
حروفَ مائكَ حين كانت تُدرَّسُ
وأنا أخافُ على نجاحِكَ من رسوبِ الوقتِ
إن غشَّ امتدادَكَ أطلسُ
ما زلتُ من خوفِ اتهامِكَ كلما
سكتَ الزقاقُ دخلتُهُ أتوجَّسُ
وكأنَّ هذا الليلَ حوتٌ غارقٌ
في بحرِهِ، وكأنَّ قلبيَ يونسُ
خرجتْ لصوصُ الأرضِ من أقفاصِها
وبقيتُ في سجنِ انتظارِكَ أُحبَسُ
المالئون المائلون عن استقامتِهم
أعدّوا سهمَهم فتقوَّسوا
والساكتون الساكبون وجوهَهم
غسلوا القلوبَ بجبنِهم فتدنَّسوا
والعائمون العائدون من الخرائطِ
هدَّموا بنيانَهم فتأسَّسوا
والصائغون الصائدون عروشَهم
وقفوا طويلًا عندها كي يجلسوا
والغارقون الغاسقون تخلَّصوا
من بعضِهم وضميرِهم فتنفَّسوا
دفنوا برملِ الحربِ أفواهَ السلامِ
وهيَّأوا حُفَرَ النفوسِ ليُغرَسوا
سرقوا ثيابَ الخصبِ من مدنِ السنابلِ
حدَّ أنْ تعرَّتِ الحقولُ ليَلبسوا
يا أيها الوطنُ الكبيرُ خريفُهُ
أينَ الربيعُ وكلُّ شعبِكَ مُفلِسُ
إنَّ الصباحاتِ التي واعدتَها نامتْ
وليلُ الكادحينَ يُعَسْعِسُ
والنابتون على ضفافِ الماءِ
مرَّ بجذرِهم ضيفُ الأذى فتيبَّسوا
النازحون النازفون بقاءَهم
خوفَ البقاءِ تسيلُ منهم أنفسُ
من ألفِ واعتصموا بحبلِ اللهِ
شيطانُ الرؤوسِ إلى النفوسِ يوسوسُ
يا أيها العربُ الكثيرون الذين
تفرَّقتْ أرواحُهم وتسيَّسوا
عودوا إليكم إنكم من أمةٍ
وسطٍ، تعتَّقَ حبُّها فتكرَّسوا
لا تفتحوا الأوجاعَ، لا تدعوا الضياعَ
يسدُّ أبوابَ الشعاعِ وتيأسوا
ولو أنَّ فصلَ الرملِ زارَ بيوتَكم
فستنتهي هذي الرياحُ وتُكنَسُ
شاعر من العراق