مقالات

هل تفتح لجنة “قاسم بدري” باب الخروج من الحرب، أم تعيد إنتاج الأزمة على طاولة جديدة؟

عبد الجليل سليمان

في 30 أغسطس/ آب 2026، خرجت إلى العلن في الخرطوم لجنة «تهيئة الحوار السوداني–السوداني»، مُعلنة بدء مشاورات تستهدف تهيئة المناخ لحوار وطني شامل، لا إدارة الحوار نفسه، وفقاً للجنة.

جاءت الخطوة بعد إعلان قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في 14 أغسطس/ آب، موافقته على آلية وطنية مُستقلة اقترحتها نخبة من السودانيين ، مُتعهداً بأن توفر لها الدولة الدعم اللوجستي والضمانات السياسية والقانونية والأمنية اللازمة، مع تأكيده أنّ الحكومة لن تكون الجهة المُنظِمة للحوار أو المُحدِّدة لأجندته ومخرجاته.

وفي 19 أغسطس، قال وزير الخارجية محيي الدين سالم إنّ الإعلان عن بدء الحوار سيتم قريبًا. وبعد أحد عشر يومًا، عقدت اللجنة مؤتمرها الصحفي الأول في الخرطوم. تقرير إطلاق اللجنة في 30 أغسطس⁠.

تتكون اللجنة من 19 شخصية مدنية ومجتمعية، برئاسة البروفيسور قاسم بدري، رئيس جامعة الأحفاد. ومن أبرز أعضائها المحامي الدستوري نبيل أديب، والكاتب محمد جلال هاشم، ورئيس تحرير صحيفة «التيار» عثمان ميرغني والروائي عبد العزيز بركة ساكن، إلى جانب شخصيات أكاديمية وسياسية ومدنية أخرى، يقيم نحو نصفهم خارج السودان.

الاستماع والتقريب

وتقول اللجنة إنّ مهمتها الأساسية هي الاستماع إلى القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، وجمع مقترحاتها، وتقريب مواقفها، ثم المساعدة في بلورة شروط الحوار ومنهجه وضماناته وأجندته، من دون فرض صيغة مسبقة، كما تطالب الحكومة في بورتسودان بضمانات «واضحة ومكتوبة وقابلة للتحقق»، تشمل وقف البلاغات المقيدة بحق المشاركين بسبب مواقفهم السياسية، ومنحهم حصانة إجرائية مؤقتة تُمكِّنهم من دخولهم السودان ومغادرته، فضلاً عن ضمانات إضافية بشأن حماية حرية التعبير داخل المشاورات، ومنع مؤسسات الدولة من التأثير على أجندة الحوار أو مخرجاته، على أن يقتصر دور الدولة على توفير الحماية والتسهيلات والضمانات، مع بقاء ملكية العملية ومخرجاتها للسودانيين.

التمويل والشرعية

بالنسبة للتمويل، فلا توجد حتى الآن ميزانية مُعلنة تسمح بتحديد حجم الموارد أو تفصيل مصادرها. وما أعلنته اللجنة هو أن نشاطها سيُموَّل سودانياً؛ ما يكشف أن عن محاولة استباقية لدرأ أي شبهة بالتمويل الخارجي، لكن هل ستتمكن من نفي تمويلها من قبل الجيش السوداني؟

بطبيعة الحال، تُدرك لجنة قاسم بدري، جيداً أن مسألة التمويل ستمثِّل في نهاية المطاف، أحد أهم عناصر الحكم على مدى استقلاليتها ونزاهتها.

تقول اللجنة إنها مستقلة. بينما تعهد قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بتوفير الحماية والضمانات والدعم اللوجستي، وهنا يبدو سؤال الاستقلالية والشرعية أكثر إلحاحاً. فإنّ افترضنا جدلاً بأن اللجنة مستقلة التكوين، فلن نتمكن من افتراض أنها ستعمل بحياد ونزاهة واستقلالية داخل بيئة سياسية وأمنية تسيطر عليها سلطة تمثّل طرفاً رئيساً في الحرب الدائرة الآن؛ ولذلك فإنّ سؤال الاستقلالية يتطلب الإجابة عن حزمة من الأسئلة ذات الصلة: هل تستطيع اللجنة أن توجه النقد إلى السلطة عندما تقتضي مهمتها ذلك؟، هل تستطيع أن تستقبل خصوم الحكومة وتمنحهم مساحة حقيقية للاعتراض؟، وهل تستطيع رفض أي ترتيب ترى أنه يقوّض حيادية الحوار، حتى لو جاء من الجهة التي توفر لها الحماية؟

الاتحاد الأفريقي على الخط

هنا يصبح موقف الاتحاد الأفريقي ذا أهمية خاصة. ففي 31 أغسطس رحبت مفوضية الاتحاد الأفريقي بالمبادرة، وقالت إن الحوار المقترح، الذي سيُجرى داخل السودان وتحت إشراف لجنة مستقلة من الشخصيات السودانية، يُمكِنْ أن يساعد في تجسير الانقسامات وتهيئة الظروف لإنهاء الحرب. وشدّد الاتحاد على “أن تكون المشاورات شاملة، وأن يكون الهدف النهائي سودانًا موحدًا وذا سيادة، تحكمه مؤسسات مدنية شرعية، مع بنية أمنية وطنية واحدة وآليات سلمية لحل الخلافات”، ذلك وفقاً لبيان صادر عن مفوضيته في 31 أغسطس/ آب.

غير أن ترحيب مفوضية الإنحاد الأفريقي لم ينهِ الجدل بشأن اللجنة، بل نقله إلى مستوى أكثر حساسية. فقد اعترضت قوى مدنية مناهضة للحرب على ذلك، واعتبرت أن الموافقة على حوار سيجرى في ظل استمرار الحرب ومن داخل مناطق خاضعة لسيطرة الجيش، أمر سابق لأوانه. وفي 23 أغسطس/ آب، طرحت هذه القوى مسارًا بديلًا يقوم على فتح نوافذ إنسانية وأمنية وسياسية متزامنة، قبل الانتقال مباشرة إلى حوار سياسي، وفي 2 سبتمبر/ أيلول، تقدّمت ، باعتراضٍ رسمي إلى الاتحاد الأفريقي حول موقفه من لجنة الحوار.

لكن الخلاف الأكثر حساسية يتعلق بحُلفاء الجيش، خصوصاً الإخوان المسلمين ومؤيدي النظام السابق. فبعض القوى المناهضة للحرب تشترط استبعادهم من العملية السياسية، بينما تدفع «الكتلة الديمقراطية» المؤيدة لاستمرار الحرب نحو مشاركة أوسع، مع استبعاد القوى المرتبطة بالدعم السريع ما لم تقطع صلتها به وتدين الانتهاكات. وهذه ليست مسألة إجرائية يمكن للجنة حلها بسهولة؛ إنها في جوهرها معركة حول تعريف «القوى السياسية السودانية» نفسها.

عقدة المكان

لربما يمنح اختيار الخرطوم مكاناً للحوار؛ المبادرة ميزة رمزية لا يُمكن إنكارها. فالحوار الذي يجري داخل السودان، وفي العاصمة التي كانت مركز الدولة والسياسة قبل اندلاع الحرب، يستطيع أن يقدّم نفسه باعتباره الأقرب إلى المجتمع السوداني من المؤتمرات التي تُعقد خارج البلاد، لكن المكان نفسه قد يتحول إلى عبء سياسي، فلا أحد يستطيع أن يُنكِر قوة منطق المعارضة المدنية في قولها بأن إدارة حوار نزيه ومستقل في منطقة تسيطر عليها القوات المسلحة، يبدو أمراً مستحيلاً.

وفي المقابل، فإنّ الإصرار على عقد الحوار خارج السودان يضعف مبدأ «الملكية السودانية» الذي تؤكد عليه اللجنة والاتحاد الأفريقي معًا. لذلك فإن الخيار الأكثر واقعية قد لا يكون المفاضلة بين الداخل والخارج، وإنما ابتكار ترتيبات تسمح بمشاركة آمنة لمن هم داخل البلاد وخارجها، وربما توزيع بعض مراحل العملية جغرافيًا إذا تعذر توفير شروط الثقة في موقع واحد.

ورقة الضمانات

ففي 1 سبتمبر، أيلول 2026 أعلن وزير العدل السوداني عبد الله درف أن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أصدر القرار رقم 363 لسنة 2026، القاضي بشطب البلاغات الجنائية المقيدة بواسطة أجهزة الدولة ضد سودانيين مقيمين بالخارج يدخلون البلاد للمشاركة في الحوار، مع التأكيد على حماية المشاركين من الإجراءات الجنائية المرتبطة بآرائهم ومواقفهم السياسية خلال فترة المشاركة. تفاصيل القرار رقم 363 لسنة 2026؛ الأمر الذي اعتبره مراقبون خطوة سياسية وقانونية مهمة؛ لأنها تنقل أحد مطالب اللجنة من مستوى التعهد إلى إجراء رسمي.

فجوة الثقة

لا تدخل لجنة قاسم بدري إلى ساحة فارغة؛ فخلال السنوات الماضية، تعاقبت مبادرات داخلية وإقليمية ودولية كثيرة، لكن معظمها اصطدم إما بالخلاف حول المشاركين، أو بتعارض المصالح بين الأطراف، أو باستمرار الحرب التي ظلت تنتج حقائق جديدة على الأرض أسرع من قدرة الوسطاء على بناء تسوية.

لذلك، فإنّ الضمانات القانونية لا تساوي تلقائيًا الثقة السياسية، كما أنها لا تكتسب قيمتها لمجرد إصدارها بقرار حكومي، بل تتجاوز ذلك إلى الجهات المناطة بنتفيذها، كأن تُشكّل آلية مستقلة للتحقق من مدى الإلتزام بها.

سيظل السؤال الحاسم: هل يطمئن سياسي موجود خارج السودان إلى العودة اعتمادًا على القرار وحده، أم سيطلب ضمانات إضافية من جهات لا تخضع مباشرة لسلطة البرهان وحلفاؤه الإسلاميين؟.

وهنا يمكن للجنة – إن تمكنت من الاستمرار – أن تحقق اختراقًا حقيقيًا إذا نجحت في تحويل الضمانات إلى نظام قابل للتحقق والمراقبة، لا مجرد تعهدات سياسية. وإذا أخفقت في ذلك، فقد تبقى خطوة الأول من سبتمبر/ أيلول مهمة قانونيًا، لكنها غير كافية لبناء الثقة.

سيناريوخات محتملة

ثمة ثلاثة سيناريوهات تبدو أكثر واقعية. الأول هو النجاح التدريجي من خلال عمل اللجنة على توسيع مشاوراتها، واستيعاب أطراف أخرى تبدو أكثر استبعاداً في المرحلة الأولى؛ كتحالف تأسيس وقوات الدعم السريع ، مع تحويل الضمانات مرحلة بعد أُخرى إلى قواعد عملية، تٌمكنها مع مرور الوقت من استقطاب شخصيات وقوى كانت مترددة. عندها يمكن أن تنتقل من لجنة تهيئة إلى منصة سياسية تتمتع بقدر معتبر من الشرعية التفاوضية.

السيناريو الثاني يتمثل في النجاح الجزئي، فيما لوة تمكنت اللجنة من خلق قناة اتصال وطنية، وإن عجزت عن جمع كافة القوى الرئيسية حول صيغة واحدة، وفي هذه الحالة سيحسب لها نجاحها في تخفيف حَدّة الاستقطاب وفتح قنوات الاتصالات، وليس بالضرورة إنتاج اتفاق شامل.

الثالث هو الفشل السياسي، وهذا هو السيناريو الأرجح، في ظل استمرار رفض القوى المناهضة للحرب عن المشاركة، خصوصاً في ظل الشكوك الكبيرة حول استقلالية اللجنة، وفي هذه الحالة، سينتهي المسار إلى مجرد حوار محدود التمثيل وبلا تغيير حقيقي لحالة الركود التي تسم المشهد السياسي السوداني منذ إنقلاب الجيش والدعم السريع على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021.

البعد الرابع

لكن هناك متغيرًا رابعًا لا تملك لجنة قاسم بدري السيطرة عليه، وهو الميدان العسكري؛ فالحرب ليست خلفية للحوار، بل قوة تعيد تشكيل شروطه باستمرار. وكل تقدم عسكري أو تراجع ميداني يُمكِن أن يغيِّر حسابات الأطراف حول قيمة التفاوض، ومن يشارك فيه، وما الذي يمكن انتزاعه على الطاولة. ولذلك فإنّ نجاح اللجنة سيكون مرتبطًا، جزئيًا، بقدرتها على التحرك قبل أن تُعيد التطورات العسكرية رسم قواعد اللعبة من جديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع