في أواخر الثمانينيات _ إن لم تخني الذاكرة _ بث تلفزيون السودان سهرة مع الفنان القادم بقوة وقتها “محمود تاور” والذي كان قد ملأ صوته الشارع، فكافتيريات الخرطوم وقتها، لم تكن مجرد أماكن للأكل والشرب والحب فقط، بل كانت مسارح ترويج للفنانين والألبومات، وكان انتشار الفنان وسيطرته يبدأ منها، ومحمود تاور لمع نجمه بأغنية بسيطة وخفيفة وغريبة، فتحت الطريق لسماع باقي أغنياته، فكانت أغنية “طيري يا قمرية.. وركي فوق الزنكي.. واتصنتي القضية” مثل الألعاب النارية في ظلمة السماء، وقف الناس عندها لأن استخدام الزنكي في أغنية كان جديدا على الأذن السودانية التي اعتادت زاد الشجون وبناديها وماذا يكون حبيبتي؟؟، واستطاع تاور بذكاء فريد أن يلفت الناس لفنه، ويستثمر التركيز ليقدم بقية روائعه..!!
“2”
في تلك السهرة بدا تاور أنيقا ببدلة رصاصية كاملة، وأعتقد أنه تم تصويرها في “الفندق الكبير” ولست متأكدا من هذا، وقدم تاور “ما بسيبو حالك.. ياها الغيرة ذاتا .. وياها الفرقت ريدا متين رباطا”، وكان الناس ينتظرون صرخته الجميلة في “ياها” وتدرج صوته مع الموسيقى واللحن فيها، ثم قدم أغنية ” أرجى الراجيك.. شقايا الشفتو كلو بيجيك”، و “ما تطولو الغيبة”، وقد كانت سهرة من أجمل السهرات التي قدمها تلفزيون السودان في ذلك الزمان..!!.
“3”
محمود تاور حمل مشروعا فنيا مدروسا، عمل على إنجاحه ورعايته من خلال أسلوبه الخاص، ولم يكن في مشواره تقليدا لأحد، أو اعتمادا على أعمال الغير، ولا أذكر أن تاور تغنى لأحد، إلا من خلال مشاركات في مهرجانات تكريم فنان، مما يحتم عليه أن يغني لصاحب التكريم أغنية..!!.
“4”
ألبوم “حياتي حلوة” والتي صاغت كلماتها الراحلة ليلى المغربي، كان توثيقا أنيقا وفارها لعدد من الأعمال الخاصة لتاور، وقدمه بأسلوبة وطريقته السردية الملحنة في الغناء ولعل هذا الوصف “اخترعتو براي” لتوصيف أسلوب تاور في الغناء، وهو ما أراه ولست معنيا برأي النقاد في التوصيف هذا، ومن خلاله حافظ تاور على وجوده وهو يغني: حياتي حلوة.. والزمان أهداني ريد.. وعمر جديد” وهو بذلك يهدينا عمرا جديدا معه..!!.
“5”
محمود تاور سيطر على أغاني الحفلات من خلال عدد من الأعمال، فما من مناسبة أو حفل إلا وكانت “أرجع تعال عود لي” أو “الشمس غابت” حاضرة، ينتظرها أهل الطرب “وسط الدارة” وهي الأغنيات التي “تقوم عجاج الحفلة” في ثوان طرب وسرور..!!.
“6”
على أيام الجميلة الصدى، تمت دعوتي لمنتدى في بحري، لم يكن الوقت حينها يسمح بحضور المنتديات المسائية في ظل ضغط العمل، ولكن حين علمت أن الفنان محمود تاور هو الضيف، لم أتردد لحظة، ويومها غنى تاور بالعود كما لم يغن من قبل، وكان فاصلا رائعا للمتعة، حرصت على مصافحته قبل انتهاء الحفل وقبل المغادرة..!!.
“7”
أغنية “مصابك سميرك”، لشاعرها اللواء جلال حمدون من الأغنيات التي ترددت كثيرا قبل الاستماع إليها، مثلها ومثل أغنية “أنا قاعد أموت” للجميلة فاطمة عمر، كان تعرض لي في خيارات و”لفح” يوتيوب، فأتجاوزها وأبحث عن “علي كيفك تفوت” لعادل مسلم، أو “وحياة ابتسامتك” بصوت حيدر بورتسودان” أو “خالد الصحافة”، حتى قررت سماعها فوجدتها تحفة جديدة في متحف محمود تاور، وظللت لفترة طويلة أبدأ بها. دوامي وأختمه بمصابك سميرك هذه.
“8”
يبقى محمود تاور منفردا، ومتفردا، و”براهو” في مكان يخصه وحده، ونقش اسمه بجهده وتعبه “وحقو” ، متعه الله بالصحة والعافية أينما كان..!!.