مقالات

الاستعلاء الشيطاني .. من جزيرة إبستين إلى المشفي السوداني؟!

الجميل الفاضل

مقطع فيديو مثير للجدل ظهر فيه ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهو يسأل جيفري إبستين مرتين: «هل أنت الشيطان شخصياً؟»، فيجيبه الأخير بغموض: «لا، لكن لديّ مرآة جيدة».

وهنا تقول مجلة «لوبوان» الفرنسية إن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل المال إلى إله، حتى تبلغ الثروة الفاحشة درجة من «العمى الأخلاقي» والشعور المطلق بالإفلات من العقاب، الأمر الذي يجعل هذه النخب تعيش في حالة سمتها المجلة «الاستعلاء الشيطاني» الذي يحطم الضمير الإنساني.

وتمضي المجلة إلى وصف جزيرة إبستين بأنها المكان الذي كان يجمع فيه أصدقاءه ليقوموا بممارسات تتقاطع فيها الجريمة الجنسية مع نفوذ المال وتواطؤ السياسة. ووصفت المجلة محل إقامة إبستين في جزيرته بأنه عبارة عن بناية غريبة التصميم تنتصب على نتوء صخري يلامس مياه البحر، وتحيط بها أشجار نخيل، مشيرة إلى أنها كانت يوماً مغطاة بخطوط زرقاء وبيضاء تعلوها قبة ذهبية قبل أن يطيح بتلك القبة إعصار «ماريا» عام 2017.

وتحدثت «لوبوان» عن تمثال «الرامي» القابع بجوار مسبح الجزيرة، قائلة إنه لرجل أسود يشد قوسه نحو المجهول، في مكان تبدو فيه الممرات نظيفة والطاولات منسقة، وكأن شيئاً هنا لم يحدث من قبل.

المهم، عندما تهتز أركان المركزية الغربية، لا تحت وقع جيوش زاحفة، ولا تحت هدير مدافع قادمة من وراء البحار، بل تحت ثقل هذا السؤال الأخلاقي، فإن الذي يتصدع ليس جداراً سياسياً فحسب، وإنما صورة كاملة عن إنسان ظن لمدة طويلة أن بإمكانه أن يحكم العالم دون أن يحاكمه العالم نفسه.

هكذا تسقط الأقنعة واحداً إثر آخر، من كواليس جزيرة «إبستين»، إلى أروقة اللوبيات المختلفة، إلى الغرف التي كانت تُدار فيها مصالح البشر كما تُدار أوراق لعبة سرية.

على أي حال، عندما يسقط القناع، لا يبقى للمتوَّج بذهب السلطة إلا وجهه العاري أمام الحقيقة.

إذ ليست المسألة في نهاية المطاف قصة رجل، ولا فضيحة شبكة، ولا سقوط نخبة؛ إنها في معناها الأبعد امتحان لحضارة كاملة تُسأل: ماذا يفعل الإنسان حين يملك القوة ولا يملك نفسه؟ وماذا تصنع الحضارة عندما تتسع يدها في العالم ويضيق قلبها عن الإنسان؟

وفي الطرف الآخر من المشهد الذي يلينا مباشرة، حيث لا تُرفع الأبراج إلى السماء إلا لتعود منها أكثر تواضعاً، وحيث ظل الإنسان زمناً طويلاً يسكن الطين والمسيد والظل أكثر مما يسكن القصور، يقف السودان كأنه كان طوال تاريخه دولة تخزن شيئاً آخر: إنساناً لم يكتمل بعد، إنساناً لم يُربَّ على سؤال «كم أملك؟» بل على سؤال «كم بقي مني بعد أن أعطي؟».

وهذه ربما هي الجوهرة التي لم ينتبه إليها كثيرون في ذلك الإرث الصوفي الشعبي، الذي جعل من «المسيد» مدرسة بلا جدران، ومن الفقير غنياً بما استغنى عنه، ومن التواضع مقاماً، ومن المروءة ديناً خفياً.

ذلك هو السودان الباطن الذي لا يظهر في الخرائط، السودان الذي ظل تحت السودان.

ولذلك فإن هذه الحرب، على فظاعتها، لا تكشف فقط عن خراب المدن، إنما تكشف أيضاً ما تحت هذا الجلد السميك.

تخلع عن الإنسان رتبته وشارته ومقعده واسمه الكبير، ثم تضعه عارياً أمام السؤال الأول: من أنت حين لا يبقى لك شيء سوى قلبك؟

هناك، في النزوح، وفي صف «البستلات» الطويل، وفي الخيمة، وفي «بليلة» تُقسَّم بين غرباء، وفي يد تمتد إلى يد لا تعرفها، يُعاد امتحان الإنسان السوداني من أول السطر.

كأن الحرب، في وجهها الآخر الذي لا نحب أن نراه، تقوم بعمل روحي قاسٍ: تسقط زوائد النفس، وتسقط الغرور، وتسقط وهم القبيلة، وتسقط عصبية الجهة، ثم تسقط «الأنا» بحذافيرها، لتقول للإنسان: الآن.. تعال بعيداً عن شياطين الحرب، من إنس كانوا أو من جان.

وهنا يتصل خيط السودان بخيط أوسع من جغرافيته، فالعالم الذي بنى مجده الحديث على «علم السطور» (على الأرقام والملفات والشبكات واللوبيات والتقارير وأجهزة القوة واحتكار المعرفة) قد يكتشف الآن، ببطء مؤلم، أن الإنسان لا يُختصر في ملف، وأن القلب ليس هامشاً في كتاب الحضارة، وأن هناك علماً آخر: هو علم الصدور، علم ما لا يُكتب، علم الضمير، علم المروءات الكبرى، علم أن تعرف أن للآخر حقاً عليك وإن كان عدوك، ولو لم يكن لك عليه سلطان.

لكن هذا النوع من العلم لا تمنحه عادة الجامعات.

فقد عرفته قرى السودان قبل أن تعرفه المصطلحات، عرفه المسيد، وعرفته المرأة التي تطهو لغريب لا تعرفه، وعرفه الرجل الذي يقتسم آخر ما عنده مع عابر سبيل، وعرفه الفقير الذي لم يكن يملك شيئاً سوى قلب نابض لا يُغلق.

علمهم: إذا كانت حضارة الأقنعة قد جعلت من الإنسان رقماً، ومن المعرفة أداة سيطرة، ومن القوة صنماً، فإن حضارة النور تبدأ من العكس: الإنسان أولاً، ثم المعرفة، ثم الدولة، ثم السلطة، ثم من بعد ذلك أي شيء.

وحينها فقط قد نفهم لماذا يبدو السودان، رغم كل هذا الخراب، كأنه يحمل شيئاً لا يظهر في صور الأقمار الصناعية.

شيئاً لا تقيسه الجيوش، ولا تعرفه البورصات، ولا تستطيع التكنولوجيا أن تلتقط إحداثياته.

إنه ذلك المستودع الإشراقي الباطني الذي ظل مخفياً تحت طبقات الفقر والحروب والنسيان.

وبالتالي فإن بإمكاننا أن نقول: إن الطريق من حفلة الأقنعة التنكرية هذه إلى حضرة النور ليس طريقاً بين قارتين ولا بين دولتين، إنما هو بين حالين لا أكثر ولا أقل.

وهذا هو السر الذي سندخل منه علي السودان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع