برنامج (جنة الاطفال) ـ جدو شعبان وماما صفية وماما عائشة وبابا فزاري والسنينة وجحا وثعلوب المكار ويحيى شريف وحتى عهد إيناس محمد أحمد والصورة يا أحباب، كانت كل هذه الأشياء جزءًا من الأسرة السودانية، وكان البرنامج يشكل ملتقىً أسبوعيًا يوم الجمعة لكل الاطفال، بل لكل الأسرة، وهم يجتمعون حوله، كبيرهم وصغيرهم في جوٍّ أسري تسوده الإلفة والمحبة.
الساعة عشرة الناس كلها بتلقاها قاعدة في التلفزيون، تؤجل كل الأشياء بما في ذلك وجبة الفطور إلى حين انتهاء برنامج (جنة الأطفال).
الأب والأم كانا يحضران البرنامج مع أطفالهم الصغار.. كان عندهم بُعد نظر.. وكانت الأم مدرسة.
من طقوس الجمعة الثابتة أن تبدأ يومك ببرنامج (جنة الأطفال). أما الذي تحرص عليه وتلغي كل مشاويرك من أجله فهو برنامج (عالم الرياضة) الذي يقدمه التلفزيون عند الساعة الثالثة، بطَلةٍ بهيةٍ وقوية لكمال حامد وفريق برنامجه العامل سيف الدين علي ومحمد شريف علي وحافظ أحمد خوجلي.
كمال حامد كان يجمع الناس حوله قبل غداء الجمعة لمشاهدة برنامج عالم الرياضة، البرنامج كان عندنا أهم من غداء الجمعة، وكان شباك الصالون دائماً فاتحاً، وعادةً ما تجد من شالته نومة قبل البرنامج وهو يومه كله في انتظار البرنامج.. المراوح شغالة والترمسة مليانة موية باردة.. وكبابي الشاي مجدعة في الصالون بفوضى خلابة.
الدنيا كانت جميلة ـ ما في زول عندهُ مشكلة مع زول ـ الناس كلها نواياها صافية.
تمشي الدكان تلقى الحلة كلها بتشتري ليها في طحنية ـ لمن تقول الليلة الحاصل شنو؟
يوم الجمعة كنا بنقعد في المسطبة، نتونّس ونضحك ونحضر عالم الرياضة.
في السودان، هنالك شخصيات متفق عليها.. شكّلت وجدانيات الناس، وحجزت لها زاوية أساسية في دواخل أي زول.
كنت في بدايات مشواري الصحفي انتقده عندما كان يقدم برنامج (عالم الرياضة) في التلفزيون وهو يشغل وقتها مدير القسم الرياضي في تلفزيون السودان ـ لكن من بعد، اكتشفت أن انتقاداتنا له لم تكن مبنية على أسس صحيحة وإننا كنا مخطئين في حقه، وهذا أمرٌ يجعلنا نعتذر لكل من أخطأنا في حقهم ـ فقد تكون بدون قصد أو من غير سوء نية ظلمنا البعض، وعزاؤنا أن وجهات النظر تقبل الصواب والخطأ وهي غير مبرأة.
وقد تفعل ذلك عن (جهل)، وعندما نعلم وندرك، فإن أول فضائل العلم علينا أن نعتذر.
عملت مع الأستاذ كمال حامد لفترة قصيرة في صحيفة (المواسم) التى كان يرأس مجلس إدارتها الراحل المهندس الطيب مصطفى، وقد سعدت رغم قصر الفترة بالعمل في صحيفة رئيس تحريرها القامة كمال حامد.
صحيفة المواسم فترة قصيرة.. لكن صحيفة فخور بها لأنها جمعتنا بأفاضل كرام.
كان كمال حامد نعم الأستاذ، ونعم المعلم، يمتلك حاسية صحفية ذكية ولديه قدرات كبيرة، جمع فيها بين حُسن الإدارة والقدرة على الإبداع والابتكار، بعض الأشخاص عندما تقترب منهم تحبهم أكثر، والبعض يبدو جميلاً فقط من على البعد، مثل القمر كلما اقتربت منه تمنيت لو أنك ظللت بعيداً عنه لتحتفظ له بالصورة الجميلة.. كمال حامد كلما تقترب منه يدهشك أكثر.. لذلك الذين يظلمونه هم الذين لا يعرفونه.
في الجانب الإنساني هو صاحب قلب أبيض يسع الجميع، لا يحمل في قلبه إلا كل الحب.
حتى انفعالاته وردوده القوية على من كانوا ينتقدون دليل عفويته وصدقه وجماله.
بعض الأشخاص تشعر أنك مُدينٌ لهم.. تشعر أن جميلهم عليك يغرقك.. هنالك شخصياتٌ خدموا الوطن بكل ما يملكون، لذلك جميلهم سوف يظل على رقابنا.
كل من عمل من أجل هذا الوطن سوف نشيله في عيونا… ومن صنعوا ذاكرة هذا الزمن يبقوا كباراً.
كمال حامد هو وطنٌ مصغرٌ.. كنا نجتمع حوله ونحن في قمة البهجة والسعادة.
علمت أن كمال حامد أجرى عملية لإزالة خشونة الركبة في السعودية.. نسأل الله تعالى له الشفاء والصحة والعافية.
ونتمنى أن يكون هنالك تحرك جماعي على المستوى الشعبي وعلى مستوى الدولة لتكريم هذا الرجل.
كرِْموا كمال حامد تكرِّموا وطناً بأكمله… أناشد رابطة الهلال في السعودية وهي رابطة يجمع بينها الخير والحب، أن تسبق الجميع بتكريم كمال حامد.
لا زلت أذكر احتفاء الرابطة بنا في سنوات سابقة ونحن في السعودية، وكلمة كمال حامد الذي جاء ليكرِّمنا وهو أهلٌ للتكريم.
أستاذي كمال حامد أبو مهند.. كن بخير وصحة وعافية.