أخبار

أحزاب التوالي: التنقيب العشوائي عن المواقف  

منذر مصطفى (*)

فضحت حرب 15 أبريل 2023، المنظومة الحزبية بالسودان شكلاً ومضموناً، حيث جمدت معظم الأحزاب والحركات السياسية أنشطتها بصورة مثيرة للاستغراب، باستثناء بعض الوجوه الاعلامية للعب دور (رخيص) على عكس المنوط بها في بنية الدولة: وهي المحافظة على تماسك بنيتها ومنع النسيج الاجتماعي من التحلل.

 بالوقت الذي يستغرب ويستنكر فيه طيف واسع من عضوية الأحزاب المجمدة، تصرفات الجيش بالانسحاب دون قتال من (ودمدني) وغيرها من المناطق المأهولة بالسكان، فعلت المنظومة الحزبية ذلك بصورة أشد بشاعة، حيث انسحبت من العمل الميداني والتنظيمي فاتحة الباب لصراع (المفاصلة) ليشكل ملامح مستقبل السودان.

 وهذا التصرف يتسق تماماً مع البنية الحزبية الهشة وغياب الرؤية بمعظمها، واعتمادها على التنقيب العشوائي (الحفر) في بناء مواقفها والدعوة لها، حتى في أشد الظروف قتامة في وجهة السودانيين.

 شكل مبدأ العمل (بردة الفعل المتماهية) سمة لمعظم التحالفات التي قادتها المجموعات الحزبية  بالسودان، وهنا اذكر بالموقف من المجلس العسكري 2019، والموقف من انقلاب 2021، والآن الموقف من أمراء حرب 2023، حيث تتفق جميعها على التماهي مع الكتلة العسكرية، ويا للعجب حيث مؤسسات الدولة تمارس العمل السياسي دون حياء، وبمباركة المنظومة الخالفة.

 لم تكن هذه الانتهازية – البراغماتية – سمة معزولة من تاريخ الحياة الحزبية السودانية، طالما اطلع المثقف الحزبي بدور (السمسار) لتكتلات غير مرئية مدعومة من تنظيمات ارهابية محلياً وعلى المستوى الدولي، لـ تسفيه أحلام السودانيين واشواقهم في الاستقرار المبني على نظام ديمقراطي غير زائف.

 إن التحالفات المنسوجة بليل وغير المعلنة بين مجموعات حزبية والمؤتمر الشعبي وذراعه العسكري (الدعم السريع) والأخرى بينها وبين المؤتمر الوطني واختطافه لـ (القوات المسلحة) كذراع مسلح، يشكل مؤامرة لا يمكن التسامح معها بأي حال من الاحول.

 هذا التخبط بالتحالفات نتج كثمرة طبيعية لأسلوب العمل المتبع في معظم التنظيمات الحزبية، والتي تم إنشاء بعضها خصيصاً لأداء هذا الدور المسرحي المبتذل، إن نهج ارتجال المواقف، بما في ذلك الرؤية والتكتيكات، جعل هذه التنظيمات عاجزة حتى عن المحافظة على تماسكها الداخلي.

 هذه الحرب بجبروتها إن لم تدفع هذه المنظومة الحزبية للتحرك في اتجاه صيانة أنظمتها الداخلية، وتطوير نماذج جادة لصناعة المواقف، فلن يكون لها مستقبل في سودان الحرية، فمن لم يقف مع الشعب السوداني في محنته لن ينال امتياز قيادته بعد زوال المحنة.

(*) باحث بمركز السياسات العامة- السودان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع