السودان .. جدلية “المجاعة” والتجويع

متابعات - مشاوير

في البلاد التي يعيش شعبها تحت القصف منذ عام ونصف العام , مع كل صباح تكشف الحرب عن وجه من وجوهها ، موت و تشرد و نزوح وأزمات تتزايد بمتوالية هندسية المجاعة هي آخر سطر تمت كتابته في دفتر الحرب السودانية .. شبكة انظمة الإنذار المبكر أعلنت عن مجاعة في معسكر زمزم للنازحين بولاية شمال دارفور . لكن بياناً صحفياً صادراً عن مفوضية العون الإنساني السودانية ينفي مزاعم المنظمة وبالطبع ينفي وجود مجاعة في معسكر زمزم قريباً من الفاشر التي تشهد مواجهات متواصلة بين الدعم السريع من جانب والجيش والقوات المشتركة من الجانب الآخر .  

وفي السياق وصف المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك الأوضاع الانسانية في السودان “بالمزرية”، مشيراً إلى أن مخيم زمزم الذي يحوي أكثر من 220 الف نازح قد تجاوز عتبة المجاعة . 

وتوقع برنامج الغذاء العالمي تعرض( 14) ولاية في السودان لخطر المجاعة في الشهور المقبلة .. ويواجه ( 14) مليون سوداني جوعاً حاداً مقارنة بما كانت عليه اوضاعهم عند بدء النزاع، ويواجه( 26) مليون شخص حوالي نصف سكان السودان الجوع الحاد هذا مع تسجيل حالات وفاة بسبب الجوع وان واحداً من كل اثنين من السودانيين يكافح من أجل توفير الطعام يومياً . 

وفي بيانها كذبت مفوضية العون الإنساني تقارير شبكة الانذار المبكر للمجاعة وقالت انها لا تمت للحقيقة بصلة، بالنسبة للمفوضية هذه الإدعاءات كاذبة وان النقص في المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية في مخيم زمزم وفي مناطق أخرى يعود إلى حصار قوات الدعم السريع والقصف المستمر من قبل المليشيا على مواقع النازحين وعلى المؤسسات الصحية ، يضاف لذلك عمليات النهب التي قامت بها لمخازن الغذاء التابعة لمنظمات دولية واحتجازها لعدد من السيارات بعضها يتبع لمنظمة أطباء بلا حدود . واعتبرت فوضية العون الإنساني ان مجرد الحديث عن مجاعة لا يتسق مع العناصر والشروط التي تستوجب توافرها لاعلان المجاعة وان الحقيقة هي ان الدعم السريع هو من يقوم بتجويع المواطنين من خلال منعه وصول المساعدات الإنسانية والغذائية لهم . 

بيان مفوضية العون الأنساني يأتي متناسقاً مع ما اعلنه في وقت سابق وزير الزراعة السوداني الذي نفى بشكل قاطع حدوث مجاعة في السودان.. يأتي ذلك التصريح متزامناً مع استيلاء قوات الدعم السريع على اجزاء واسعة من ولاية سنار مما اضطر السكان لمغادرتها ومعظم المغادرين يعملون في الزراعة وسبق ايضاً للدعم السريع ان فرض سيطرته على ولاية الجزيرة التي تحتضن أكبر مشروع زراعي في البلاد . 

وفي تصريحات لها طالبت سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ليندا توماس المجتمع الدولي بضرورة النظر للمأساة الإنسانية في السودان والضغط على القوات المسلحة والدعم السريع للتوقف عن استخدام الجوع كسلاح في الحرب.   

حسناً .. بيان المفوضية مقروءاً مع تصريحات السفيرة الأمريكية بالأمم المتحدة يقود الأزمة الانسانية في السودان نحو جدلية “المجاعة والتجويع” وهي جدلية مرتبطة وبشكل كبير بعملية التوظيف السياسي من أجل دعم خيارات كل طرف أنصار القوات المسلحة يعتبرون ان مثل هذه التقارير هدفها الرئيسي ممارسة الضغط عليهم من أجل الاتجاه نحو خيار التفاوض وربما لهذا السبب تخرج البيانات والتصريحات التي تقلل بل وتنفي وجود المجاعة، بينما في وسائل التواصل الاجتماعي تحاول الحسابات الداعمة للجيش التقليل من هذه التقارير وتقديم صورة مغايرة لها بل دمغ هذه التقارير بانها من صنع الاعداء ويستبدلون عبارة المجاعة بعبارة اخرى “تجويع الجنجويد للشعب السوداني من أجل تركيعه” ويستنكر هؤلاء الحديث عن وجود مجاعة واهمال ما يرون انه أكثر اهمية وهو انتهاكات الدعم السريع وعمليات النهب والتشريد في مناطق الزراعة . وهي عمليات حدثت بالفعل في عدة مناطق بعد اقتحام قوات الدعم السريع لها . 

بعيداً عن التقارير الأممية والبيانات الحكومية التي تكذبها فان عملية مثل انتشار “التكايا” ومطالبات بدعمها من قبل القائمين على أمرها و صفوف الناس وهم ينتظرون دورهم في الحصول على وجبة،و مشاهد الأواني المرصوصة في انتظار امتلائها “بالطعام” و دموع الصغار بسبب الجوع ودموع آبائهم وامهاتهم بسبب العجز تخبر عن حقيقة الأوضاع.. فيديو فرحة الصغار في منطقة الجريف شرق بعد ان عادت “التكية” للعمل تخبرك عن حقيقة الصورة وان المجاعة في التقارير الأممية أو التجويع في الاتهامات الحكومية واقع يعيش في جحيمه السودانيون والسبب الأساسي فيه الحرب.

Exit mobile version