𝙀-𝙈𝘼𝙄𝙇: 𝙊𝙍𝙒𝘼𝘼𝙇𝙎𝘼𝘿𝙄𝙂@𝙂𝙈𝘼𝙄𝙇.𝘾𝙊𝙈
● يحتفي المحيط الإقليمي والعربي والإفريقي والدولي بحروب تحرره ورموزهم الذين استبسلوا في مواجهة العدوان والطغيان، وتنظم المهرجانات والاحتفالات اعتزازًا بالآباء والأجداد. تصل درجات الاحتفاء لمراحل أشبه بالتقديس، فلا أحد يستطيع التنكر للسنوسي في ليبيا أو تجاوز عمر المختار. تتردد في وسائل الإعلام المصرية وإنتاجها الفني العديد من الأعمال التي تمجد الزعيم عرابي. لا تستطيع أن تذكر معارك التحرر الجزائرية دون الإشارة لكونها بلد المليون شهيد على رأسهم السيد عبد القادر الجزائري. لا يزال غاندي أيقونة التحرر السلمي في العالم والهند، ومثل الجيش الجمهوري الإيرلندي أهم جيوش التحرر في الغرب. بفضل المقاومة، سلمت فرنسا فيتنام لهوشي منه، وفر الهولنديون من جزر الهند الشرقية الهولندية، وخرجت البرتغال مرغمة من أنغولا وموزمبيق، وغيرهم ممن قاوموا المحتل والمستعمر في أوطانهم.
– في بلادي، هناك من أرغم الأنوف المستكبرة وحطم أحد أهم أركان المنظومة الاستعمارية في المنطقة، وأخضع الجبابرة، وأسس دولة مستقلة ذات سيادة بعلمها ودواوينها وجيشها وعملتها وعمالها على الأمصار المختلفة. حفزت هذه الإنجازات الكثير من الشعوب وقادة التحرر للإشارة لهم والاقتداء بهم لمجابهة صلف المستعمر. أنهت على أرضها حياة أعتى الجنرالات العثمانيين والبريطانيين، ما حفز بريطانيا العظمى لتجديد قيادتها وتحديث أسطولها البحري الذي كان يعد الأعظم في العالم. بذلت قصارى جهدها لتطوير أسلحتها النارية وترسانتها الحربية إلى مستويات آلية ونصف أوتوماتيكية ومدافع رشاشة وأخرى حارقة.
– قاد ذلك التطور العسكري والاستراتيجي إلى حدوث أكبر تمدد للقوة البريطانية بعد هزيمتهم النكراء في القرن التاسع عشر في أفريقيا. إذ كانت بريطانيا القوة الحاكمة المعترف بها في مصر من عام 1882م، والتي مهدت عبرها وسهلت اجتياح السودان جنوبًا للانتقام والاقتصاص لقتل الجنرال غوردون في 1885م، وحققت انتصارها في السودان في أم دبيكرات عام 1899م. استمر الأمر كذلك حتى النصف الثاني من القرن لينال السودان استقلاله مجددًا في 1955م. اتخذ البريطانيون أساليب عديدة للتوسع في القارة السمراء بدأت بشركة النيجر الملكية التي بسطت النفوذ البريطاني في نيجيريا. أصبحت جولد كوست (غانا حاليًا) وغامبيا أيضًا توابع استعمارية للمملكة البريطانية. عملت شركة إمبريال بريتيش إيست أفريكا في ما يعرف الآن بكينيا وأوغندا، وعملت شركة جنوب إفريقيا في ما يُعرف الآن بزيمبابوي (روديسيا الجنوبية سابقًا) وزامبيا (روديسيا الشمالية سابقًا) وملاوي. مكّن انتصار بريطانيا في حرب جنوب إفريقيا (1899-1902) من ضم ترانسفال في عام 1902 وإنشاء اتحاد جنوب إفريقيا. أقرأ هذه القراءة لنعلم مداخل الاستعمار القديمة المتجددة في ثوب جديد. هناك شركات شبيهة حاليًا روسية وفرنسية وعربية وأوروبية وغيرها تحاول استمالة القارة وإخضاعها مجددًا واستغلال مواردها.
– أسست الحكومة البريطانية بتلك الشركات مجتمعة جماعات التصفية السياسية والاغتيال المعنوي والدعاية السوداء والبروباغندا الحربية. دعمت كتاباتهم لتنشر في أصقاع المعمورة محاولات بائسة لكنس آثار تلك الهزيمة في الخرطوم. استكتبت أقلامًا استخبارية مثل كونجد باشا ورودلف سلاطين وريتشارد أ. بيرمان الذي كتب “مهدي الله – قصة الدرويش محمد أحمد”، وصاغ مقدمته ونستون تشرشل بنفسه، وغيرهم كثير من حاملي العبء الغبائني والضغينة التاريخية. كل ذلك لإلحاق الهزيمة النفسية بذراري الشعب الثائر وما يسميه السودانيون (عقاب الكتلة). حتى رسخوا في أذهان كثيرين من أبناء شهداء الثورة والدعوة إساءات بالغة لآبائهم وحتى للمهدي وخلفائه عليهم السلام. ما كان ينبغي لعاقل تصديقها ولكن كان قلم المخابرات أمضى وأقوى، للدرجة التي استمال فيها مستقبلًا عقولًا شابة وواعدة ومستنيرة، محققًا بذلك الاستلاب التاريخي والتوريث المتتابع للتأزيم النفسي وتقزيم الذات السودانية. للدرجة التي جعلت ممن يظن أنهم نخب رائدة يتنصلون عن التاريخ وينشطون لشيطنته وحذفه على قلته من المناهج التعليمية. هذا لا ينفي بعض المحاولات الأكاديمية والعلمية لبعض المؤرخين السودانيين كبروفيسور محمد سعيد القدال الذي خط كتابه ”لوحة لثائر سوداني”، وإسماعيل عبد القادر الكردوفاني الذي كتب كتاب “سعادة المستهدى بسيرة الإمام المهدي”، والذي حفز بدوره الكاتب حاييم شكيد ليكتب عن حياة المهدي السوداني: دراسة تاريخية لكتاب سعادة المستهدى بسيرة الإمام المهدي لإسماعيل عبد القادر الكردفاني (نيو برونزويك، نيوجيرسي: كتب المعاملات، 1978م). حديثًا تناول عصمت زولفو معارك المهدية.
– أمام تلك الحملات العنيفة للاستهانة والاستخفاف بالمهدي والمهدية ومحاولات التصفية المعنوية، برزت إرادة وعزيمة قوية جعلت من ذلك الغرس المقبور تحت الرماد يصبح لاحقًا القوة الدينية والاجتماعية والسياسية الأولى في السودان بعد ما يزيد عن 124 عامًا، ورائد المقاومة والاستقلال ومناهضة الدكتاتوريات. بعد ما حدث له من فجيعة سماها الصحفي ديفيد شنفيلد، محرر هيستوري توداي، بالمذبحة، وقال: “استخدمت بريطانيا تقنية عسكرية جديدة في مذبحة جيش الدراويش السودانيين بالقرب من أم درمان في 2 سبتمبر 1898م”، موضحًا أن ذروة التقنية العسكرية والتطور التكنولوجي القتالي في بريطانيا تم تجريبها واستخدامها ضد السودانيين في معركة كرري. ومن وسط هذه المجزرة والإبادة والدماء والجماجم المحطمة والأوصال المقطعة، نهض جيل وثاب وتواق للحرية والانعتاق.
– إن أعظم ما يبز ويدفع للفخر أنه كان في مقدمة هؤلاء الأشاوس الشيوخ وحفظة كتاب الله والفرسان البواسل من الشباب في المرتبة الأمامية. لم يتوانوا أو يترددوا، وقد جاء في وصفهم أنهم رقدوا مطمئنين يتوسد أحدهم نعاله وينزف مبتسمًا حتى تفيض روحه إلى بارئها. كما أن جميع من لقوا حتفهم لم يترددوا أو يبتعدوا عن المدافع الرشاشة (المكسيم)، وكان أبعدهم مسافة لا تتجاوز الخمسين مترًا، أي أنهم جميعًا كانوا في المدى الفعال والمؤثر لنيران العدو. كذلك فتكت بهم نيران بنادق (لي-ميدفورد) التي يصل مداها أبعد من 800 ياردة.
– ليس مؤلمًا أن تجد وصف أجدادك مقطعي الأوصال، متفجري الأجساد، مهشمي الرؤوس، ومبذولي الأحشاء تتناوشهم الجوارح والضواري. فهم قد قدروا وقرروا مسيرهم وحددوا مصيرهم. واجهوا جيشًا أنجلومصريًا لا يحمل لهم إلا الضغينة والموت، فقابلوه برباطة جأش وقوة عزيمة. ولكن الأشد إيلامًا أن من ضمن الألوية التي سحقت بسالة السودانيين في كرري، لواءً حربيًا ضم سودانيين قتلوا إخوتهم وفتحوا عليهم وابل النيران وتلذذوا بقتلهم. وذات الأمر يتكرر في كل الحقب والعصور والدهور، ويؤكد أن الهزائم لا تأتي من شجاعة الأعداء وإنما من خيانة الأقرباء.
– إن الجنرال هربرت هوراشيو كتشنر، والضابط ونستون تشرشل، والمهندس الملكي إدوارد جيروار، واللواء ويليام جاتاكري، الكولونيل هيكتور ماكدونالد، واللواء السير أرشيبالد هانتر، مثلوا مملكتهم البريطانية ومستعمرتهم المصرية وقاتلوا بالإنابة عنها، وارتكبوا في سبيلها ما يرقى بمعايير اليوم أن يصنف ضمن جرائم الحرب والعدوان والجرائم ضد الإنسانية. فقد أجهزوا على ما يقارب الخمسة آلاف جريح غير الشهداء الذين لكثرتهم كان يظنهم كتشنر غابة أو “زريبة” لكثرتهم، وتركوا مثلهم يلاقوا مصيرهم المحتوم وأسروا عددًا مماثلًا. وقد قابلهم رجال آمنوا بربهم ووطنهم وقاتلوا حتى قابلوه على صهوات جيادهم. فقد قضى الأمير إبراهيم الخليل نحبه وهو يحث جنوده على القتال متقدمًا إياهم ولم يترنح أو يتراجع حتى شوهد رأس جواده مقطوعًا وجسده ممزقًا ورأسه مهشمًا يكبر الله ويحمده. فلله درهم الخليفة شريف والأمراء عثمان شيخ الدين وعثمان أزرق والأمير علي ود حلو، كانوا يمثلون وطنهم المحتل ويذودون عن حياضه لا يبتغون إلا وجه الله، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه حتى رافقوا خليفة المهدي عليهما السلام إلى لقاء ربهم في منطقة أم دبيكرات بعد شهور قليلة من كرري.
● ختامًا: إن معركة كرري في سبتمبر 1898م هي أعظم ذكرى وقد كانت وستظل عبرة للسودانيين، واعتبارًا للغربيين، ودرسًا للإنسانية في الوطنية والشموخ والإباء والبسالة والتضحية والفداء. كما أنها أضحت أوضح عنوان سافر لأسوأ أنواع الغدر والخيانة الوطنية. فمن عملوا في تشييد السكك الحديدية وشحن الذهب وتهريب موارد السودان لتسهيل دخول الآلات الحربية والجيش من مصر إلى السودان، وساسوا خيول المستعمر وعلفوها لم يكونوا سوى أبناء جلدتنا ممن كان ينتهرهم جنرالات المملكة العظمى ويضربونهم بالسياط. لكل زمان عملاؤه وأجراؤه، ولكل مستعمر ومستبد عبيده، و(لكل وقت حال ولكل زمان وأوان رجال) أو كما قال المهدي عليه السلام. وواجبنا أن نتصدى لأيادي الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي وأن نكشف زيف مطاياهم من أبناء جلدتنا وممن يعلنون محبتهم ويضمرون بغضهم لنا وللوطن، حينها لن نهزم ولن نقهر.
أنظر:
1. معركة كرري – ويكيبيديا: توفر هذه الصفحة معلومات شاملة عن معركة كرري، بما في ذلك تفاصيل المعركة، القادة المشاركين، والخسائر البشرية والمادية.
2. كرري: تحليل عسكري لمعركة أم درمان – عصمت حسن زلفو: يقدم هذا الكتاب تحليلاً عسكريًا مفصلًا لمعركة كرري، ويعتبر مرجعًا مهمًا لفهم الأحداث والتكتيكات العسكرية المستخدمة.
3. The River War: An Historical Account of The Reconquest of the Soudan – ونستون تشرشل: يتناول هذا الكتاب الذي كتبه ونستون تشرشل تفاصيل إعادة احتلال السودان، بما في ذلك معركة كرري، ويعد مصدرًا مهمًا لفهم السياق التاريخي والسياسي لتلك الفترة.
4. سعادة المستهدى بسيرة الإمام المهدي- إسماعيل عبد القادر الكردوفاني: يقدم هذا الكتاب سيرة الإمام المهدي ويشمل تفاصيل عن الثورة المهدية ومعركة كرري، مما يجعله مرجعًا قيمًا لفهم الأحداث من منظور سوداني.
5. مقالات ودراسات في الصحف والمجلات التاريخية: مثل مقالة ديفيد شنفيلد في هيستوري توداي التي تناولت استخدام بريطانيا لتقنيات عسكرية جديدة في معركة كرري.
(*) قيادي في حزب الأمة القومي
