
الكتابة في خط 18
اهداء: إلى علي قاقارين وعبد الله خيار وعصام طه ومحمد بادي وروح الراحل أحمد راضي: وهم يسجلون الأهداف في شباك القلوب: كتابة في الزاوية والدقيقة التسعين.
هذه قصة صبي ونجم وخيال وحلم. في مغرب ذلك اليوم وبعد شد قاسي لأوتار النفس، وترقب لمباراة هلال مريخ التاريخية الطابع، خرج الصبي إلى حوش الجيران “العندهم” تلفزيون. كان حوشا مفروشا بالبروش. والأطفال كما في الخلوة جالسين أمام التلفزيون الأبيض والأسود الموضوع أمام “طرابيزة” امام أوضة جالوص تتوسط الحوش. أما كبار السن فكانوا “متوهطين في كراسي سيورها من البلاستيك” في أعلى الغرفة هناك لمبة “نايلون” بيضاء مصلوبة بالطول على الزاوية. اللمبة يحوم حولها ناموس وحشرات وينازع الحشرات الصغيرة الطواف حول اللمبة “ابو الدقيق” بحماقته “سيئة السمعة”. ويحرس اللمبة “ضب سمين” زائغ العينين يتربص بالحشرات بشهوة ويحلم بخريف “ابو السعن”. كان المشهد سرياليا وكنا جميعا ظلال لخيال ما.
صوت المذيع يشد خيوط التوتر حد الانقطاع: “الكورة عند الفاضل سانتو، بيمرر لكمال عبد الوهاب يتقدم كمال عبد الوهاب، ويتدخل فوزي المرضي….. شخشخة وصفير وانقطاع للصورة، تنهدات، وتأفف وشتائم، تعود الصورة، مهتزة ومتموجة كأنها صورة في “طشت” مملوء بالماء. الصوت يعود أقوى: الكورة عند علي قاقارين، قاقارين يتقدم يخش خط طمنطاشر ويتقدم وعمار معاه، يتقدم قاقارين…. قاقارين يتقدم…..” وطق.. قطعت الكهرباء.
وتعالي الصياح والشتائم “انعل أبو الكورة، انعل أبو الكهرباء….انعل… وواحدة صحيحة” العن” لكن لم يعرف الصبي لمن كانت موجهة تسديدتها رغم صحتها. الحاجة ست البيت، كأنها هي التي قطعت الكهرباء، قامت وكشت الأولاد برة، وخرج معهم الصبي إلى بيته. وصل إلى البيت في الظلام غياب الكهرباء، وبسبب الكورة ويوم الكورة حرم من العشاء، وأيقن أن أخوته تناولوا العشاء كله ولم يتركوا له شيئا وعملوا غيابه في الكورة حجة. رقد على العنقريب مقابل السماء ذات النجوم. بطنه تصر، ورأسه يكر، فلقد أهداه علي قاقارين أول ليلة “بيضاء” في حياته.. ظل يتساءل وهو يتابع النجوم: “يا رب يكون قاقارين شاتها ودقت في العراضة، ولا يكون بشارة “كعبلو” وحسبوا ليه بلينتي، ولا يكون جابها قوون.” وقرض المريخاب فرد مرة…. ولا… ولا…
وغاب الصبي في نوم مشوش مثل الصورة التلفزيونية السريالية التي كان يشاهدها أثناء المباراة، وحلم بأفيال تلعب مباراة مع أرانب والثعالب ممسكة بأضواء غريبة والديوك تصيح من المدرجات، و”عربة الكارو” مجهزة لنقل المصابين عليها ضبع يرتدي ملابس طبيب. وعند الصباح لم يتذكر خاتمة الحلم.
في الصباح زامن “زوغته من المدرسة” مع معمعة الحديث حول مباراة الأمس، لأنه كان يعرف أنه وحتى ساعة برنامج “عالم الرياضة” وقت ساعة الغداء الكل بما في ذلك السيد الرئيس جعفر محمد نميري، لن يتحدثوا سوي عن مباراة الأمس، وعن شوتة قاقارين. إذن لن يأخذوا كشف الغياب في حصص الصباح، وهي فرصة للذهاب إلى امدرمان المحطة الوسطي ومطعم الرياضيين، بصور البوستر الكبيرة المعلقة فيه و”المبروزة” على الجدران: عز الدين الدحيش، بشعر “الحلب السبيبي” وكمال عبد الوهاب، والفاضل سانتو، وفوزي المرضي وزغبير، وعمار وبشارة وقطعه قطن بيضاء على أذنه. ثم يمشى عابرا البوستة بساعتها التي لم تعمل منذ مولدها. يمر على برندة دكان جورج مشرقي والساعاتية، ويتجه نحو نادي الخريجين مارا بمخازن “أبو مرين”، ولا يفوته أن يغشى دكان العدني ليتفرج على بواريك الجورسية “ومستلزمات العرائس” من صلب “صناعي” وفرك قرمصيص.
ويمر على السينما الوطنية ليشاهد اعلان الفيلم الجديد، ليحكي قصة خيالية عنه للأقران عند الرجوع إلى “الحلة”. ويشاهد أعلى طرمبة “شل” إعلانا لكف رجل عملاقة تحمل سيارة تاكسي صفراء ومكتوب اسفل السيارة الهيلمان “سيارتك الثمينة في أيد أمينة”، ينبهر من حجم الكف وكيف استطاعت حمل السيارة.
وقبل العودة إلى الحلة لا ينس المرور بأكشاك الليمون والفواكه، يتفرج على الفواكه الملونة في الأكشاك مقابل دكان أولاد “ملاح” المزدحم.
اكان الوقت يتجه نحو الغداء، أو أن معدته هي التي كانت تؤشر لذلك لا يتذكر الآن، ولكن الشمس في “نص السما” وتتبقى كباية الليمون الباردة والعودة، وبينما كان الصبي يقف مقابل أكشاك الفواكه حدث الحلم. هل تحدث الأحلام؟ وجد نفسه مشلولا بالدهشة، وسقط فكه والتفت يمنة ويسرة ليتأكد أن الكل يشاهد ما يشاهد، لم ينتبه أحد. سائق التاكسي “الطراحة” يقرأ صفحة الرياضة حول مباراة الأمس، نساء يحملن قفف يتجهن نحو دكان أولا ملاح، بائع ترمس وكبكبي يصيح على بضاعته، يا الهي العالم كله منشغل، إلا هو واقف يشاهد تفاصيل حلمه، والذي ذكره بالدهشة الأولى عندما شاهد طاووسا فاردا ذيله الملون في حديقة الحيوان. هذه المرة كان في وسط الحلم رجلا اسمرا وسيم الملامح ذو ابتسامة ودودة وآسرة، طويل القامة يرتدي بدلة سفاري بلون التراب البني المائل إلى حمرة خجولة. كان هو نفسه لم يخطئه، تعود مشاهدته أيام وليال في صفحات الجرائد ولكن هذه المرة يظهر أمامه “بلحمه ودمه”، تقدم الرجل نحو أحد أكشاك الفواكه حي البائع الذي يلبس العراقي، أراد الصبي حفظ كل التفاصيل حتى يعيد حكايتها لأقرانه في الحلة “بالتصوير البطيء” بادئا قصته ب ” انقروا، الليلة شفت منو” رغم أن “الرؤية” لم تكن بالليل، ورغم تحذيرات استاذ اللغة العربية له من عدم استخدام “الليلة” للإشارة إلى اليوم. حي الرجل الطويل بائع الفواكه وطلب موزا، ربما كيلو أو اثنين، ثم مد يده وتناول موزة من هرم الموز الذي امامه وقشر الموزة ومدها نحو فمه وفجأة تقدم منه “شحاد” فناوله الموزة قبل أن تصل فمه. وفجأة تذكر كلام جارهم عن الرجل الواقف امامه “بلحمه وشحمه” “علي قاقارين كورة وأخلاق” الكورة كان يعرفها ولكن الأخلاق شاهدها في تلك اللحظة، شهق، من الدهشة مرة أخرى وتحدى نفسه سائلا: كيف سأحكي عن على قاقارين؟ وعندما حمل قاقارين كيس موزه تبعه، فالصبي لم يجرؤ على الكلام معه، وتقدم قاقارين نحو عربات التاكسي “الطراحة” الواقفة في صف في انتظار الركاب. وخمن الصبي بذكاء جغرافي بسيط بأن هذه الطراحات متجهة نحو حي العرضة، مما يعنى أن علي قاقارين ساكن في حي العرضة، وربما جوار استاد المريخ، وراجع نفسه خشية اعتراض اقرانه على روايته الواثقة بأن علي قاقارين ركب تكاسي العرضة لأنه كان راجع من الشغل زي الساعة اتنين كده، لكن كيف يجاوب على سؤال ” كيف يسكن كابتن الهلال في نفس حي نادي المريخ، ويلعب للهلال؟ بدت له الإجابة على السؤال معضلة.
وتبع الصبي علي قاقارين إلى أن ركب التاكسي “الطراحة” ثم اختفى التاكسي وتلاشت دهشته، رغم بقى متدثرا بضبابها، واحتل الحلم بكل تفاصيله ذاكرة الصبي وهو يحتاج إلى كل تفصيله حول الحدث، حتى لا يهزم في أي “غلاط” حول “رؤيته” الحقيقية لعلي قاقارين.
كان ذلك في زمن مقسم بين “الوتر والكفر” ولأن الصبي لم يكن يجيد الغناء، رغم إجادته للضرب على “البنقز” لكنه حدد مصيره بأن يكون، وقبل هذا الحلم لاعب كرة، وكان يسأل نفسه دائما: لماذا الكبار لم يصبحوا “كلهم” لاعبي كرة؟ ويتمنى أن “يكبر” بسرعة حتى يلعب “للمنتخب القومي”. وكان “يخاف” أن يصبح الجميع لاعبي كرة بحيث لا يجد له مكانة في عالمها الساحر. وكبر الصبي ولعب الكرة وكان أعظم انجاز حققه فيها أن لعب لمنتخب الكلية التي كان يدرس فيها، وتم ضمه لمنتخب الجامعة المشارك في الأولمبياد الجامعي “اليونيفرسياد” في مدينة كوبيه اليابانية بعد تقريبا عشرين عاما من مشاهدته لعلي قاقارين “شخصيا” ودورته معه في مدار الحلم، ولكن ولخيبته، تم اقصائه لأسباب “تفضيلية”، حزت في نفسه كثيرا، حيث كان يحلم بأن يختم مشواره الكروي الهزيل بمجد ما. ومع تعلمه “التدخين” وتعبه في المعلب تراجع من خانة الجناح إلي قلب الدفاع “الاستوبر” وعرف أنه لو استمر في التدخين فسيصبح حارسا للمرمي، وسينتهي به المطاف يوما وراء المرمي ليجلب الكرة للاعبين. ومضت السنين والذاكرة لا زالت غضة بصورة على قاقارين وكيس الموز والقامة المديدة والأخلاق التي حاول تقليدها، ولكن التقليد “يفرق” كتير عن الأصل. وفارق الصبي عالم الكرة بعد أن أشتراها رجال الأعمال وجعلوا من مشاهدتها “حقا حصريا” رغم ذلك أصبح يتابع دون أي حماس بعض البطولات الكبيرة، ويتذكر اليوم الذي كان يشاهد فيه مباراة لمنتخب ساحل العاج ونجمه ديديه دروغبا، حينها أصبح صبينا اليافع دبلوماسيا، وهذا هو الإنجاز الوحيد الذي حققه كما حققه الدكتور علي قاقارين، دكتور القانون الدولي الذي ترك الكرة وأصبح سفيرا لجمهورية السودان. وبعد فوز منتخب ساحل العاج في تلك المباراة التفت إليه صديقه الدبلوماسي العاجي وقال له في تفاخر “بدين” وابتسامة “فرس نهر” وانجليزية ترتدي فستانا فرنسيا حسيرا ” يو سي ماي برودر: دروغبا إز ماي ستار”
فرد عليه الصبي: “إن نجمي فاز بكأس افريقيا قبل أن يولد نجمك دروغبا هذا، وبالمناسبة أيضا لقد “خدم” وشددت عليها “سيرفد” كسفير في عاصمة بلادك”. وأحس الصبي باهتزاز شباك الرجل، وتعالى دوي صيحات الجمهور بين أضلعه.
ورغم مهنة الدبلوماسية المشتركة بين الصبي ونجمه علي قاقارين، إلا أن قاقارين لا زال يتفوق عليه بهدف قاتل ووحيد وهو أنه دبلوماسي “خلقة وأخلاق” وتلك هزيمة صعب تخطيها.
(*) كاتب وصحفي ودبلوماسي اريتري



